بحث عن بحث

 

 من أنواع حجية السنة من ( القرآن الكريم )

 

النوع الخامس : ما يدل على وجوب التأسي به صلى الله عليه وسلم في كل ما يصدر عنه.

قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)[ سورة الأحزاب / 21].

فهذه الآية الكريمة تحدد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة لا غيره، وهذه الأسوة تقتضي الاتباع والطاعة والامتثال، كما تقتضي أنه صلى الله عليه وسلم معصوم بعصمة الله تعالى، محفوظ بحفظ الله عز وجل، وأن الله تعالى قد رضيه ليكون المثل الأعلى، وعلى الناس أن يتخذوه المثل الأعلى في كل شيء، وكيف يتحقق ذلك إذا لم تكن طاعة وامتثال؟!.

قال محمد بن علي الترمذي : ( الأسوة في الرسول : الاقتداء به والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أو فعل، قال القاضي عياض : ( وقال غير واحد من المفسرين بمعناه)) (1).

وقال الآمدى : ( جعل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر، ويلزم من عدم التأسي عدم اللزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر وذلك كفر).

وقال أيضا : ( فمعظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون بالتأسي به في فعله، واجبا كان أو مندوبا أو مباحا).

وقال أيضا : ( والمتابعة والتأسي في الفعل:هو أن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعل، من أجل أنه فعل) (2).

ورضي الله عن الصحابة الكرام، فقد بلغ من اقتدائهم به صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يفعلون ما يفعل، ويتركون ما يترك دون أن يعلموا لذلك سببا أو يسألوه عن علة الحكم.

روى البخاري ومسلم بسندهما عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتما من ذهب، فنبذه فقال ( "لا ألبسه أبدا"، فنبذ الناس خواتيمهم) (3).

وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال : ( ما حملكم على إلقائكم نعالكم ؟)، قالوا : رأيناك ألقيت نعليك، فقال : ( إن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً(4).

حتى بلغ من امتثالهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم فعلوا ذلك في شئون الدنيا.

روى أبو داود عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال : لما استوي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر قال : ( اجلسوا ) فسمع ذلك ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول صلى الله عليه وسلم، فقال ( تعال يا عبدالله بن مسعود(5).

وروى ابن عبدالبر عن عبدالله بن رواحه رضي الله عنه- وهو بالطريق- : سمع رسول الله صلى بالله عليه وسلم يقول : ( اجلسوا ) فجلس في الطريق، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما شأنك ؟)، فقال : سمعتك تقول : اجلسوا، فجلست، فقال  النبي صلى الله عليه وسلم : ( زادك الله طاعة ).

وفي رواية أخرى : ( زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله)(6).

فإذا بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدرجة، في الاقتداء بفعله والامتثال لأمره، فكيف بنا ونحن عالة عليهم في الفقه والعلم.

قال السعدي عند تفسير الآية: ( استدل الأصوليون بهذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الأصل، أن أمته أسوته في الأحكام، إلا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به)(7).

هذا والآيات الدالة على حجية السنة النبوية المطهرة – مؤكدة كانت أو مبينة أو مستقلة – كثيرة وكثيرة، وفيما ذكرنا مضمون ما لم نذكره، والذي دفعني إلى الإطالة بعض الشيء في هذا: أن ذلك أساس ومنطلق لحجية السنة المستقلة من ناحية، ورد على من ينكرون حجية السنة بعمومها، والمستقلة بخصوصها من ناحية أخرى.

ولنتقل إلى دليل حجيتها من السنة نفسها، فإلى ذلك بتوفيق الله.


 


(1) - الشفا ( 2/7).

(2) - إحكام الأحكام ص 186 وما بعدها.

(3) - صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب حدثنا عبدالله بن مسلمة، رقم ( 5867)، وصحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم الذهب على الرجال ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام، رقم ( 2091).

(4) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، رقم ( 650).

(5) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يكلم الرجل في خطبته، رقم ( 1091)، وأخرجه البيهقي في الكبرى ( 3/205، 206)، والحاكم في المستدرك ( 1/283)، وابن خزيمة في صحيحه ( 3/141، 142 رقم 1780)، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

     قلت : قال أبو داود عقب الحديث: هذا يعرف مرسل، إنما رواه الناس عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومخلد هو شيخ، ورجح ابن خزيمة في صحيحه الإرسال أيضا " .

(6) - جامع بيان العلم ( 2/867رقم 1633)وعزاه صاحب كنز العمال ( رقم 37171 )إلى الديلمي.

(7) - تيسير الكريم الرحمن ( 6/208).