بحث عن بحث

 

المبحث الرابع (من أسرار تقديم اليمين (3ـ3))

 

6 – حديث: «ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله»(*).

رواه ابن ماجة(1)، قال: ثنا هشام بن عمار: ثنا الهقل بن زياد: ثنا هشام ابن حسان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «...». وذكره.

تفرد به ابن ماجة من هذا الوجه.

قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات"(2). اهـ ، وفيه نظر؛ فإن هشام بن عمار قال فيه الحافظ: (صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح) (3)، ولم أقف على ما يُبين سماع ابن ماجة منه، هل كان قبل الاختلاط أم بعده؟.

يضاف إلى هذا أن الإمامين: أبا حاتم، والدار قطني، قد أعلاَّ هذه الطريق، ولكن اختلفا في التصويب، فذهب أبو حاتم إلى أن الصواب أن الحديث عن عبدالله بن دهقان عن أنس(4).

وذهب الدار قطني إلى أنه عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه(5). وسيأتي بيان هذا.

لكن قد ورد هذا الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة، أخرجه إسحاق ابن راهوية(6)، وأحمد(7)، وأبو يعلى(8)، كلهم من طرق عن ابن جريج، عن نعمان بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه، نحوه، دون الأخذ والعطاء.

وابن جريج قد صرح بالسماع عند أحمد، ونعمان بن راشد (صدوق سيء الحفظ) (9).

وقد أعل هذه الطريق الإمام الدار قطني، بأن المحفوظ عن الزهري، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبدالله بن عمر، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم (10).

أما الطريق التي صوبها أبو حاتم، فقد رواها(11) هو، وابن أبي شيبة(12)، وأحمد(13)، وأبو يعلى(14)، كلهم من طرق عن هشام بن حسان، عن عبدالله بن دهقان، عن أنس، نحوه، وعند ابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، دون الأخذ والعطاء، وعند الباقين: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله».

وعبدالله – ويقال عبيد الله – بن دهقان، ذكره البخاري(15)، وابن أبي حاتم(16)، ولم يذكرا فيه جرحاً، لا تعديلاً، ولا راوياً عنه، إلا هشام بن حسان، وذكره ابن حبان في ثقاته(17) وزاد: أن هشام بن عروة روى عنه أيضاً. قال الحافظ: "فإن كانت رواية هشام ابن عروة عنه محفوظة، فقد بين أنه ليس بمجهول"(18).

وأما الطريق التي صوبها الدار قطني، فقد أخرجها ابن حبان(19)، من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى أن يعطي الرجل بشماله شيئاً، أو يأخذ بها، ونهى أن يتنفس في إنائه إذا شرب». وإسناده صحيح.

7 – حديث: «إن الله يحب التيامن في كل شيء»(*).

8 – حديث: «تيامنوا حتى في التنعل والترجل»(**).

اللفظ الأول لم أقف عليه إلا في نصب الراية، وقال: "غريب بهذا اللفظ"(20).

قال ابن حجر – في الدراية –: لم أجده هكذا، وإنما في الصحيحين عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن.....»(21).

أما اللفظ الثاني فلم أقف عليه، ولعل الكاتب عبر  بالمعنى الموجود في الأحاديث السابقة.

الاستدلال :

استدل بهذه الأحاديث محمود مهدي الاستانبولي، في كتابه (دلائل النبوة في ضوء المعارف الحديثة)(22)، واستدل بالحديث – قبل الأخير – محمد كامل عبدالصمد، في كتابه (الإعجاز العلمي في الإسلام – السنة)(23) على أنها توافق ما ثبت علمياً – كما قالوا – أن كل حركة في جسم الإنسان، تدور حسب نظام دقيق بحيث تبدأ الحركات من الجهة اليمنى، إلى الجهة اليسرى، ثم تتلاشى وتنتهي، وضربوا لذلك أمثلة وهي:

1 – حركة الدم: تبدأ أول نقطة فيها، داخل جهاز الدورة الدموية، من القلب عندما تتقلص العضلات القلبية لتضخ الدم، فيبدأ سير الدم النقي من تجاويف البطين إلى الشريان الأبهر، الذي يتجه بشكل مقوس من الجهة اليمنى إلى الجهة اليسرى، بحيث يجعل جريان الدم مبتدئاً من اليمين ومنتهياً إلى اليسار، بعد أن تتشعب الأوعية الدموية وتتفرع من الدقيق إلى الأدق، حتى تتلاشى حركة الدم، وتصبح غير منظورة بالعين المجردة.

2 – حركة الأمعاء: تبدأ من باب المعدة الإثني عشر، بحيث يكون اتجاه الحركة للمواد الغذائية، من اليمين إلى اليسار.

3 – حركة القولون في الأمعاء الغليظة: تبدأ من نقطة الجهة اليمنى باتجاه الناحية اليسرى، إذْ تتقلص لدفع المواد المتبقية، من عملية الامتصاص، إلى الجهة اليسرى المقابلة، بعد أن تجمعت في الخزان الأعور الكبير، فتتحرك المواد، من الجهة اليمنى إلى اليسرى، وإلى القولون المستعرض المتوازي، وهكذا.

4 – حركات التنبيهات العصبية – العجيبة الصنع – في المراكز العصبية، والأسلاك الحسية والحركية المتصلة بها: تبدأ دورتها من الجهة اليمنى، وتنتهي في الطرف الأيسر، عند أداء وظيفتها الطبيعية الفسيولوجية.

ثم عقبوا بما حاصله: أن الحديث الشريف، قد أظهر هذه الظاهرة العلمية في الكيان البشري، التي لم تكتشف إلا بعد مرور قرون عديدة، منذ أن قالها النبي صلى الله عليه وسلم.

التعليق :

إذا سُلِّم لهم هذا الاستدلال، فلعل الأفضل في صياغته، أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله بهذا الدين العظيم، دين الفطرة، ومن تعاليمه: التيامن، وحيث إنه قد ثبت علمياً: أن الجسم البشري مفطور على التيامن، في حركة أجهزته، فإن تعاليم الدين، توافق الفطرة الخَلْقية، وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن ما جاء به من تعاليم، موافق لما ركبه الله في مخلوقاته، والله أعلم.

وينبغي أن نلاحظ أيضاً: أن الأطراف اليمنى أقوى من اليسرى؛ فناسب أن تُقَدم. لكن من تأمل الأحاديث، وجد فيها أن الشيطان يقدم شماله، بها يأكل، وبها يشرب، وبها يأخذ، وبها يعطي، فكان الأليق والأولى بالمسلم أن يخالف الشيطان؛ فأمره الشرع بالتيامن.

قال القرطبي: "هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال؛ لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال، وهي مشتقة من اليُمْن، وقد شرف الله أصحاب الجنة إذ نسبهم إلى اليمين، وعكسه في أصحاب الشمال. وعلى الجملة فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها، محمود لغةً وشرعاً وديناً، والشمال على نقيض ذلك، وإذا تقرر ذلك، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة، عند الفضلاء؛ اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة"(24). اهـ.

 


(1) سنن ابن ماجه – كتاب الأطعمة – باب الأكل باليمين (2/1087ح3266).

(2)   مصباح الزجاجة (3/74).

(3)   تقريب التهذيب ص (573).

(4)  العلل لابن أبي حاتم (2/18ح1528).

(5)  العلل للدار قطني (3/ق97/أ).

(6)  مسند إسحاق بن راهوية (1/419ح476).

(7)  المسند (2/325،349)، وفي الموضع الأول: نعمان بن أبي شهاب، ولعله خطأ مطبعي، أما في الموضع الثاني فعلى الصواب.

(8)  مسند أبي يعلى (10/305ح5899).

(9)  تقريب التهذيب، ص (564).

(10) كما تقدم في الكلام على حديث "لا يأكل أحدكم بشماله...".

(11) العلل لابن أبي حاتم (2/18ح1528).

(12) مصنف ابن أبي شيبة (8/104ح4491).

(13) المسند (3/202).

(14) مسند أبي يعلى (7/260 – 262ح 1517 – 1519).

(15) التاريخ الكبير (5/380).

(16) الجرح والتعديل (5/47).

(17) الثقات (5/68).

(18) تعجيل المنفعة (221).

(19) الإحسان (7/328، 329ح 5205).

(*)  الإعجاز العلمي في الإسلام – السنة ص (184).

(**) دلائل النبوة في ضوء المعارف الحديثة، ص (124).

(20) نصب الراية (1/34).

(21) الدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر العسقلاني (1/28/ح18).

(22) دلائل النبوة في ضوء المعارف الحديثة ص (122، 124).

(23) الإعجاز العلمي في الإسلام – السنة – ص (184).

(24) فتح الباري (9/523).