بحث عن بحث

 

المبحث الخامس (علاقة الناصية بسلوك الإنسان (4 ـ 4))

 

الاستدلال :

استدل بحديث ابن مسعود كل من: الدكتور/ يحيى ناصر خواجي، في بحثه (وجه الإعجاز في سلوك الإنسان)(1)، والدكتور/ كيث مور، ومعه الشيخ عبدالمجيد الزنـداني، ومصطفى عبدالباسط أحمد، في بحثهم (الفلقات الجبهية.....)(2) كما استدلوا بقوله تعالى: (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ{16} ).

على أنه يؤكد أن الناصية هي مركز التوجيه والضبط؛ وهذا يتفق مع ما كشفه تشريح المخ الحديث، من أن مقدمة المخ، أو الفص الأمامي منه، والذي يقع خلف الجبهة، هو الخاص بسلوك الإنسان وشخصيته.

قال الدكتور/ كيث مور – ومن معه –: " كان الظن لسنوات عديدة أن الأجزاء الأمامية، أو الجبهية من المخ – والتي تسمى الفصوص، أو الفلقات الجبهية – هي مناطق صامتة من المخ، وأن دورها ضئيل في التحكم في وظائف الجسد، وكان سبب وجود هذه الأفكار، هو أنه عند قطع أو بتر الألياف العصبية الداخلية والخارجية من الفلقات الجبهية، فإنه لم يكن يلاحظ تغير مذكور في نشاطات الحيوانات.

وقد لوحظت تأثيرات مشابهة، على الناس الذين تعرضت فلقاتهم الجبهية لتدمير أو بتر للألياف المرتبطة بها، خلال الحوادث.

وزاد في ترسيخ فكرة أن الفلقات الجبهية صامتة أن استثارة الأجزاء الداخلية فيها لا يترتب عليها أي حركة في جسم الإنسان.

وعلى كلٍ فقد عُرِف خلال الخمسين عاماً الأخيرة أن الفلقات الأمامية تختص ببعض الوظائف العقلية في الإنسان والحيوان.

وقد بينت دراسات رسوم المخ الألكترونية، ودراسات وظائف الأعضاء الكهربية، أن من تعرضت فلقاتهم الجبهية للتلف، فإنهم غالباً ما يعانون من تناقص في قدراتهم العقلية، وقد يعانون من هبوط في المعايير الأخلاقية، ويبدي المرضى علامات من الابتهاج، والرضا عن النفس، وكثيراً ما يبدون أمارات تبجح، وتتقلص قدراتهم على التركيز، والمبادرة والتحمل، وتتناقص بدرجة كبيرة قدرة المريض على حل المشاكل، وبخاصة التي تحتاج إلى قدرات عقلية خاصة، وتتأثر قدرة المريض على الحكم على موقفه، وينحصر قلقه على الحاضر، وعلى نفسه.

وبإيجاز فإنه من المعلوم الآن أن الفلقات الأمامية، هامة جداً للعقل؛ لأنها ترتبط بالعمليات العقلية العليا، فنحن نقوم بعمل الخطط داخل هذه الفلقات.

وهكذا فإنها تؤثر في أفعال ووظائف أجزاء المخ الأخرى، مثل أفكارنا، ومشاعرنا، وأحاسيسنا".

 ثم ذكروا الآيات في آخر سورة العلق، واعتبروها شرحاً للعلاقة بين الفلقات الجبهية للمخ والتصرفات الأخلاقية للإنسان. وقالوا: "تأتي المبادأة في الكذب بأنشطة عقلية في الفلقات الأمامية، وبالمثل فإن الخطايا تخطط في الفلقات الأمامية، قبل أن تحمل إلى العين، واليد، والأعضاء التناسلية... الخ.

وهناك حديث للنبي صلى الله عليه وسلم، يؤكد أن الناصية تمثل مركز التوجيه والضبط". وذكروا الحديث، ثم قالوا: "ولعله للأسباب السابقة أمرنا الله بالسجود، أي بوضع ناصيتنا (جبهتنا) على الأرض...، وهذا الأمر بإجراء السجود، يعني أن علينا أن نضع مركز إرادتنا وأخذ القرار على الأرض؛ لإظهار الخضوع الكامل لله تعالى". اهـ.

وبحثُ الدكتور/ يحيى ناصر خواجي، هو تأكيد لما تقدم، فقد ذكر أنهم قد واجهتهم حقيقة علمية في مجال جراحة الأعصاب، بالمستشفى العسكري بالرياض، فأصبحت واضحة جلية، وهي أن أي خلل مرضي يصيب مقدمة الفص الأمامي (prefrontal Cortex AREAS 9-12)، مثل التورمات السرطانية، الحوادث، الخراج، والنزيف الداخلي الذي يتمركز حول الفص الأمامي، فيضغط على هذه المناطق، كل ذلك يؤدي إلى تغيرات في سلوكيات الإنسان، فبدلاً من أن يكون حكيماً مراعياً لشئون الآخرين من حوله، يصبح من اللامبالين، فاقد الشعور فالمسؤولية نحو نفسه، أو أسرته، أو مجتمعه.

وذكر أنه تتبع أربع حالات مرضية، نقلت إلى المستشفى العسكري بالرياض خضعت للمراقبة (الاكلينيكية) قبل العمليات الجراحية وبعدها، لمعرفة التغيرات السلوكية، وذكر تلك الحالات وأنقلها هنا عنه؛ لأنه – كما يقال –: بالمثال يتضح المقال:

"الحالة الأولى: مريض رقم (1954338)، حادث سيارة:

أصيب المريض بكسر في مقدمة الجمجمة، ونزيف في الفص الأمامي، وبعد إنقاذ حياته بإجراء عملية جراحية، بإزالة النزيف الداخلي خارج المخ وداخل الجمجمة، وبقي عنده نزيف قليل داخل الفص الأمامي، حجمه حوالي (4 ملم)، لكن هذا النزيف كان المسؤول – كما نعلم – عن التغير الكامل في سلوك المريض وتصرفه ، وبعد مضي ستة أشهر حدث امتصاص لهذا النزيف القليل، وتحسنت حالته تماماً، وعاد إلى وظيفته، بعد أن كان فاقداً لكل صفات التصرف السليم.

الحالة الثانية: مريضة رقم (1954668):

التشخيص: مرض (حميد) في الجزء الأمامي من الجمجمة، ضاغط على الفص الأمامي من المخ، لفترة طويلة، مع تغير في سلوكها، وعلله أقاربها لكبر سنها، وبعد الفحص تبين لنا المرض، وأجريت لها العملية بنجاح، والحمد لله، تحسنت حالتها بعد أقل من أسبوع من إجراء العملية، وهي تعي وتتصرف طبيعياً الآن.

الحالة الثالثة: مريض رقم (84/554):

نزيف نتيجة حادث، مع نزيف في الفص الأمامي، ومع أن المصاب كان واعياً إلا أنه كان غريب السلوك، مثلاً يمشي عرياناً في القسم، ويضرب كل من يقترب منه، إلا أنه بعد العلاج الذي استمر لمدة ستة أشهر، عاد إلى عمله، وهو في كامل قواه العقلية.

الحالة الرابعة: مريض رقم (1835421):

أصيب بـِخُرَاج(3) في الفص الأمامي الأيسر – وهو كما نعلم أهم من الفص الأمامي الأيمن في السيطرة على السلوك – وكان هذا المريض للأسف قد مرَّ على كثير من المشعوذين، إلى أن قدر الله له التحويل إلى قسم جراحة الأعصاب، واكتشف المرض، وأزيل الخُرَاج، وتحسنت حالته السلوكية، والجسمية في أقل من ستة أشهر".

ثم قال: "وأخيراً نذكر أن عندنا حالات كثيرة من هذه الأمراض، ولكن المقصود هو إعطاء فكرة عن تصرف المريض وسلوكه، عند إصابته في الفص الأمامي من الدماغ".

 


 


(1)  وجه الإعجاز في سلوك الإنسان، وعلاقته بالناصية (ص3) من أبحاث المؤتمر الدولي الأول عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، باكستان.

(2)   الفلقات الجبهية والوظائف العقلية العليا (ص2) من أبحاث المؤتمر الدولي الأول عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، باكستان.

(3)   الخُرَاج – على وزن غُرَاب –: ما يخرج من البدن من القروح. وعند الأطباء: تجمع صديدي محدود. انظر: القاموس (2/32/مادة:خرج)، والمعجم الوسيط (1/224/مادة:خرج).