بحث عن بحث

  المبحث التاسع  (الرحم شجنة)

  

 

 حديث: «الرحم شجْنَةُّ (1) من الله»(*).

   ورد هذا الحديث عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم: أبو هريرة، وعائشة، وعبدالله بن عمرو، وأم سلمة، وابن عباس، وسعيد بن زيد، وعامر ابن ربيعة:

   1 – أما حديث أبي هريرة، فله عنه طريقان:

   الأولى: أبو صالح، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته». أخرجه البخاري(2)، وانفرد به عن الستة.

   الثانية: محمد بن كعب القرظي، عنه، نحوه، أخرجه ابن أبي شيبة(3)، وأحمد(4)، والبخاري – في الأدب المفرد –(5) وابن حبان(6)، والحاكم(7)، وأبو نعيم(8)، كلهم من طرق عن شعبة، عن محمد بن عبدالجبار، عن محمد بن كعب القرظي، به.

   وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، وليس كما قالا؛ ففي إسناده محمد بن عبدالجبار، وهو الأنصاري، قال فيه الحافظ: (شيخ لشعبه، مقبول) (9). وقد أخرجه البخاري من وجه آخر عن أبي هريرة؛ فيكون قول الحاكم: "ولم يخرجاه" أي بهذا الإسناد.

وقال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عبدالجبار، وهو ثقة"(10). ولعله اغتر بتوثيق ابن حبان له (11)، وبرواية شعبة عنه أيضاً.

   2 – وأما حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: «الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته»، فأخرجه البخاري(12).

   3 – وأما حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، فله عنه طرق:

   الأولى: أبو قابوس، عنه، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن...»، وباقيه نحو حديث أبي هريرة.

   أخرجه الترمذي(13)، والحميدي(14) –مختصراً –

وأحمد(15)، والحاكم(16)، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، به.

   قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

وفي إسناده أبو قابوس مولى عبدالله بن عمرو (مقبول) (17)، إلا أنه قد توبع كما سيأتي.

   الثانية: أبو العنبس، قال: دخلت على عبدالله بن عمرو، بالوَهْطِ(18)، قال: عطف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعه فقال: «إن الرحم شجنة من الرحمن واصلة، لها لسان ذلق، تتكلم بما شاءت، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله».

أخرجه الطيالسي(19) – واللفظ له – والبخاري – في الأدب المفرد –(20) وعنده «لها لسان طلق ذلق يوم القيامة». كلاهما من طريق عثمان بن المغيرة عن أبي العنبس، به.

   وأبو العنبس الثقفي، اسمه: محمد بن عبدالله -أو ابن عبد الرحمن- ابن قارب (مقبول) (21)، وقد توبع.

   الثالثة: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم شجنة، كما ينبت العود في العود». وباقيه بنحو رواية أبي العنبس، أخرجه البغوي(22)، من طريق حميد بن مخلد بن زنجويه، عن عبدالله بن يوسف، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، به.

وفي إسناده ابن لهيعة (صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه، أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون) (23).

   4 – وأما حديث أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن، تناشد حقها، فيقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك...»، فأخرجه ابن أبي عاصم (24)، والطبراني(25)، كلاهما من طريق ابن أبي شيبة،وهو في مصنفه(26)، عن زيد بن الحباب، قال: حدثنا موسى ابن عبيدة، قال: حدثنا المنذر بن جهم الأسلمي، عن نوفل بن مساحق، عنها.

   وفي إسناده المنذر بن جهم الأسلمي، ذكره البخاري(27) – لكن قال: (منذر ابن أبي الجهم) – وابن أبي حاتم(28)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو في عداد المجهولين.

وموسى بن عبيدة الربذي، قال فيه الحافظ: (ضعيف، ولاسيما في حديث عبدالله بن دينار) (29)، وحديثه هنا ليس عن عبدالله ابن دينار.

   5 –  وأما حديث ابن عباس، فأخرجه أحمد(30)، وابن أبي عاصم(31)، والبزار(32)،

وابن عدي(33)، كلهم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني زياد أن صالحاً مولى التوأمة أخبره أنه سمع ابن عباس، بنحو حديث أم سلمة.

   وعند ابن أبي عاصم زيادة وهي: «الرحم شجنة الرحمن، أصلها في البيت العتيق، فإذا كان يوم القيامة، ذهبت حتى تناول بحجزة الرحمن، فتقول هذا مقام العائذ بك....».

قال البزار: "لا نعلمه يروى عن ابن عباس، إلا بهذا الإسناد".

   ورجاله كلهم ثقات إلا صالحا مولى التوأمة،  وهو ابن نبهان، قال فيه الحافظ: (صدوق اختلط، قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كابن أبي ذئب، وابن جريج) (34). وتمام كلامه في الكامل هو: "وهو في نفسه ورواياته لا بأس به؛ إذا سمعوا منه قديماً". ثم ذكر من الذين سمعوا منه قديماً: ابن جريج، وابن أبي ذئب، وزياد بن سعد... ثم قال: "ولا أعرف له حديثاً منكراً؛ إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب، ويكون ضعيفاً فيروي عنه..." (35). والراوي عنه هنا هو زياد بن سعد، وهو (ثقة ثبت) (36)، وروى عنه قبل الاختلاط؛ فإسناده حسن.

   6 – وأما حديث سعيد بن زيد،فأخرجه أحمد(37)، والبزار(38)، والحاكم(29)، كلهم من طرق عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نوفل بن مساحق، عنه، به، ولفظه:«الرحم شجنة من الرحمن،فمن قطعها حرم الله عليه الجنة» هذا لفظ أحمد والبزار، وعند أحمد زيادة في أوله، ورجاله كلهم ثقات، وهو صحيح بما تقدم.

   7 – وأما حديث عامر بن ربيعة، فأخرجه البزار(40)، وأبو يعلى(41)، كلاهما من طريق علي بن قادم(42)، عن شريك القاضي، عن عاصم بن عبيدالله، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، به. ولفظ البزار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة، من يصلها يصله الله...». ولفظ أبي يعلى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول – يعني الرب –: إن الرحم شجنة مني، فمن وصلها وصلته...».

وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر، قال فيه الحافظ: (ضعيف) (43)، وشريك القاضي (صدوق، يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة) (44)، والراوي عنه علي بن قادم (صدوق) (45)، ولم أقف على من ذكر أنه روى عنه قبل الاختلاط.

الاستدلال :

   استدل بهذا الحديث محمد كامل عبد الصمد، في كتابه (الإعجاز العلمي في الإسلام – السنة) (46)، على الإعجاز العلمي للسنة، فقال – بعد أن ذكر الحديث، وفسر الشجنة بأنها فروع الشجر المتشابك –: "وهذا ما أثبته علم التشريح، من أن الرحم موضوع في وسط حوض المرأة، حتى يكون محمياً ومصوناً من كل أذى.... وهو عضو عضلي أجوف..."، وذكر وصف الرحم وتشريحه، إلى أن قال: "وللرحم قناتان، على كل جانب واحدة، وتنتهي قناة الرحم بانتفاخ يعرف باسم (البوق)، الذي يحيط بالمبيض بمجموعة من الأهداب"(47).

   ثم قال: "من هذا يظهر لنا الرحم كفرع شجرة متشابك، وهو ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «الرحم شجنة من الله»، مما يعد وصفه إعجازاً علمياً، لاسيما قبل أن نعرف علماً يسمى علم التشريح، الذي يصف أجزاء الجسم البشري بالدقة والبيان الواضح". اهـ.

التعليق :

   الاستدلال بهذا الحديث، يتوقف على معرفة المراد بالرحم في الحديث؛ ولذا رجعت إلى المعاجم اللغوية، فوجدت ابن فارس يقول: "(الراء، والحاء، والميم) أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، والرحم: علاقة القرابة، ثم سميت رحم الأنثى رحماً من هذا؛ لأن منها ما يكون ما يرحم ويرق له من ولد"(48).

   وعرف ابن سيدة والجوهري وغيرهما الرحم بأنه: القرابة، إلا أنهم جعلوا أصله هو رحم المرأة، وهو منبت الولد ووعاؤه في البطن(49).

   وكذا الراغب الأصبهاني قال: "الرحم رحم المرأة، ومنه استعير الرحم للقرابة؛ لكونهم خارجين من رحم واحدة"(50).

   إذن فالرحم تطلق على العضو الذي يخلق فيه الجنين، وتطلق على الأقارب، وهي في هذه الأحاديث مقرونة بالصلة أو القطيعة، وهذه القرينة تصرفها إلى أن المراد بها القرابة، ولذا قال أبو عبيد في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : «الرحم شجنة من الله» يعني: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق"(51). لكن ظاهر الأحاديث أن المراد بالرحم: رحم المرأة الذي يخلق فيه الولد، وتأمل ألفاظ الحديث، والله أعلم.

   وأما لفظة «شجنة» فهو بتثليث الشين رواية ولغة(52)، وأصل الشجنة شعبة في غصن من غصون الشجرة(53)، قال ابن فارس: "(الشين والجيم والنون) أصل واحد، يدل على اتصال الشيء والتفافه، من ذلك الشجن وهو الشجر الملتف"(54).

   وقد رأيت بعض صور للرحم فيها شيء من معنى (شجنة) (55).


(1) (شجنة) مثلثة الشين رواية ولغة – فتح البارئ (10/418).

(*) الإعجاز العلمي في الإسلام – السنة النبوية – ص 183، 184.

(2) صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب من وصل وصله الله (10/417ح5988).

(3) مصنف ابن أبي شيبة (8/350ح5446).

(4) المسند (2/295، 383، 406، 455).

(5) الأدب المفرد (1/146ح65)، والتاريخ الكبير (1/168).

(6) الإحسان (1/334، 335ح443، 445).

(7) المستدرك (4/162).

(8) الحلية (3/220).

(9) تقريب التهذيب ص (491).

(10) المجمع (8/150).

(11) ذكره في الثقات (7/415).

(12) صحيح البخاري (10/417ح5989)، وفي الأدب المفرد (1/137ح55).

(13) سنن الترمذي – كتاب البر والصلة – باب ما جاء في رحمة المسلمين – (4/285ح1924).

(14) مسند الحميدي (2/270ح592).

(15)      المسند (2/160).

(16)      المستدرك (4/159).

(17)     تقريب التهذيب، ص (666).

(18)     يعني أرضاً له بالطائف – كذا جاءت مفسرة في الأدب المفرد – والوهط: المكان المطمئن من الأرض المستوي، ينبت فيه العضاه، والسمر، والطلح، والعرفط، وخص بعضهم به منبت العرفط، والجمع: أوهاط، ووهاط. وبه سمي الوهط: مال كان لعمرو بن العاص، وقيل لعبد الله بن عمرو بن العاص، بالطائف. وفي الوهط معان أخرى، انظر: النهاية، والقاموس ولسان العرب، في مادة: وهط.

(19)      مسند الطيالسي (298ح2250).

(20)     الأدب المفرد (1/135، 136ح54) بأخصر من لفظ الطيالسي.

(21)     تقريب التهذيب، ص (662).

(22) شرح السنة (13/23، 24ح3435).

(23) تقريب التهذيب، ص (319).

(24) السنة (1/237ح537) مختصراً.

(25) المعجم الكبير (23/404ح970).

(26)      مصنف ابن أبي شيبة (8/350، 351ح5447).

(27)      التاريخ الكبير (7/358).

(28)     الجرح والتعديل (8/243، 244).

(29)     تقريب التهذيب، ص (552).

(30)      المسند (1/321).

(31)     السنة (1/237ح 538).

(32)      كشف الأستار (2/375ح1883).

(33) الكامل (4/57).

(34) تقريب التهذيب، ص (274).

(35)الكامل (4/58).

(36) تقريب التهذيب، ص (219).

(37) المسند (1/190).

(38) كشف الأستار (2/379ح1894)، وفيه: (شعيب بن أبي حسين عن نوفل)، وهو خطأ، وشعيب هو ابن أبي حمزة، يروي عن ابن أبي حسين.

(39) المستدرك (4/157).

(40) كشف الأستار (2/375ح1882).

(41) مسند أبي يعلى (13/156ح7198).

(42)      تحرف في كشف الأستار إلى (دارم).

(43)      تقريب التهذيب، ص (285).

(45)      تقريب التهذيب، ص (266).

(46)      تقريب التهذيب، ص (404).

(47)     الإعجاز العلمي في الإسلام – السنة – ص (183، 184).

(48)      انظر الشكل رقم (11) من الملحق.

(49)     معجم مقاييس اللغة (2/498).

(49)      لسان العرب (3/1613).

(50)      المفردات، ص (191).

(51)      غريب الحديث لأبي عبيد (1/209).

(52)     فتح الباري (10/418).

(53)    النهاية (2/447).

(54)     معجم مقاييس اللغة (3/248).

(55)      انظر الشكل رقم (11) من الملحق.