بحث عن بحث

 

 

المبحث الثاني ( حجم الأرض بالنسبة للكون)(1)

 

 

    حديث: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها جرعة ماء»(*).

   جاء هذا الحديث عن عدد من الصحابة مرفوعاً، منهم: سهل بن سعد، ورجال من أصحاب النبي – لم يسموا – ورجل من بني سالم أو فهم – لم يسم أيضا –، وأبي هريرة، وابن عمر.

   1– أما حديث سهل بن سعد، فأخرجه الترمذي (2)،وابن عدي(3) ،وأبو نعيم(4)، كلهم من طريق قتيبة بن سعيد.

وأخرجه العقيلي(5)، من طريق يحيى بن قزعة، كلاهما عن عبدالحميد ابن سليمان، عن أبي حازم – سلمة بن دينار – عنه. وعندهم «تعدل» بدل «تزن».

قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه".

   وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث عبدالحميد بن سليمان، عن أبي حازم". وعبدالحميد بن سليمان هو أخو فليح، (ضعيف) (6) ، إلا أنه قد توبع، فقد أخرجه ابن ماجة(7) – ولفظه «...تزن...» مع زيادة – وابن أبي عاصم(8)، والحاكم(9)، والبغوي(10)، كلهم من طرق عن زكريا بن منظور، عن أبي حازم، به.

   قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "قلت: زكريا ضعفوه"، وقال فيه الحافظ: (ضعيف) (11)

   والحديث بهذه المتابعة، وماله من شواهد، يرتقي إلى درجة الحسن لغيره.

   2– وأما حديث رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – لم يسموا – فقد أخرجه ابن المبارك(12) – ومن طريقه البغوي –(13) قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني عثمان بن عبيد الله بن رافع، أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثوا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. فذكره بنحوه.

   وفي إسناده إسماعيل بن عياش، (صدوق في رواية عن أهل بلده، مخلط في غيرهم(14)، وشيخه هنا هو عثمان بن عبيد الله بن رافع المديني، ذكره البخاري(15)، وابن أبي حاتم(16) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ثقاته(17)، وقال: "مولى سعيد بن العاص من أهل المدينة"، ولذا فرواية إسماعيل هنا ضعيفة، ولكن يستشهد بها كما قال الشيخ الألباني(18).

 

   3– وأما حديث رجل من بني سالم أو فهم – لم يسم – فأخرجه ابن أبي شيبة(19)، عن عبدالله بن إدريس، عن محمد بن عمر، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر، عن رجل من بني سالم، فذكره، ولفظه: «تزن...»، وعنده زيادة.

   وفي إسناده محمد بن عمر، لم أقف على ترجمته، ولعله محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم – وهو (صدوق يخطئ) (20) – فهو يروي عن عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر، ويروي عنه عبدالله بن إدريس، ويؤيد هذا الاحتمال أن البيهقي أخرجه من طريق ابن أبي الدنيا، عن يعقوب بن عبيد، عن أبي عاصم النبيل، عن محمد بن عمارة، عن عبدالله بن عبدالرحمن، نحوه، إلا أنه مرسل(21).

   4– وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه ابن أبي عاصم (22)، من طريق أبي معشر، عن سعيد المقبري، عنه، وأبو معشر هو نجيح بن عبدالرحمن السندي (ضعيف، أَسَنَّ واختلط) (32).

   وله وجه آخر عن أبي هريرة، أخرجه ابن أبي عاصم(24)، وابن عدي(25)، والقضاعي(26)، كلهم من طرق عن محمد بن عمار، عن صالح مولى التوأمة، عنه، به، فذكره. ومحمد بن عمار هو المؤذن المدني، قال فيه الحافظ: (لا بأس به) (27)، وصالح مولى التوأمة هو ابن نبهان المدني، قال فيه الحافظ (صدوق، اختلط) (28).

   5– وأما حديث ابن عمر، فقد أخرجه القضاعي(29)، والخطيب(30)، من طريقين عن أبي الحسن علي بن عيسى بن المثنى الماليني، عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن أبي عون، عن أبي مصعب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، ولفظه: «تزن».

   قال الخطيب: "هذا غريب جداً من حديث مالك، لا أعلم رواه غير أبي جعفر ابن أبي عون، عن أبي مصعب، وعنه علي بن عيسى الماليني، وكان ثقة".

   وشيخه أبو جعفر قال فيه الخطيب: "وكان ثقة"(31). وأبو مصعب هو أحمد ابن أبي بكر بن الحارث، قال فيه الحافظ: (صدوق) (32)؛ فإسناده حسن.

 

الاستدلال :

   استدل بهذا الحديث الدكتور إبراهيم دهينة، في كتابه (هكذا عرفت ربي) (33)، وكذلك الشيخ عبدالمجيد الزنداني، في محاضرة له(34)، على أنه يوافق ما أثبته علم الفلك الحديث، من أن الأرض شيء صغير جداً جداً، بالنسبة للأجرام الكونية ذات الأعداد الهائلة، ثم أيد الشيخ الزنداني هذا الاستدلال بقوله: "فلو كانت الدنيا شيء كبير، فوجود واحد يكفر فيها، سيكون إخلال بملكوت الله، ولا يرضى الله به(35)، ولكن لما كانت أحقر من جناح بعوضة في ملكوت الله؛ فواحد يتكبر فيها ويقول أنا ربكم الأعلى في جناح بعوضة!! إيش يسوي؟! وماذا أخل، وماذا انتقص من ملك الله جل وعلا؟!". اهـ.

التعليق :

   اعترض الدكتور راشد الراجح(36) على الاستدلال بهذا الحديث، بأن المراد القيمة المعنوية للدنيا، وليس المراد الحجم، ولذا قد ينعكس هذا الدليل، فيدل على الكبر والضخامة في الحجم، يعني مع كبر الأرض وضخامتها، فهي لا تساوي جناح بعوضة.

   ويؤيد اعتراضه هذا، أن الحديث ورد بلفظ «الدنيا»، ولم يرد بلفظ «الأرض». والدنيا: "نقيض الآخرة"(37)، و"سميت الدنيا لدنوها"((38)، ويدل على هذا أن لفظ (الدنيا) لم يأت في القرآن الكريم إلا في مقابل الآخرة، سوى أربعة مواضع، الأول قوله تعالى: ( إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [الأنفال: 42]، والثلاثة الباقية في وصف السماء(39).

   ومع هذا كله قد يقبل استدلالهم بهذا الحديث – وإن كان فيه بعد – لأن الحياة الدنيا وزينتها المتعلقة بالإنسان، إنما هي في جرم الأرض،ويمكن أن يقوى هذا الاستدلال بما أخرجه مسلم(40)، من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه  قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي...» إلى قوله تعالى: «ياعبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر....». والله أعلم.


(1)        المراد بالكون هنا هو الأجرام السماوية، وانظر تعريفه عند تعريف (التفسير العلمي) في التمهيد من هذه الرسالة.

(*)      هكذا عرفت ربي، ص (113).

(2)       سنن الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عزوجل (4/485ح2320).

(3)        الكامل (5/319).

(4)        الحلية (3/253).

(5)       الضعفاء (3/46).

(6)        تقريب التهذيب ص (333).

(7)        سنن ابن ماجه كتاب الزهد باب مثل الدنيا (2/1376، 1377ح4110).

(8)        الزهد (49ح128).

(8)       المستدرك (4/306).

(10) شرح السنة (14/228، 229ح4027).

(11)       تقريب التهذيب ص (216).

(12)       الزهد ص (178).

(13)      شرح السنة (14/228ح4026).

(14)       تقريب التهذيب ص (109).

(15)       التاريخ الكبير (6/232 236).

(16)       الجرح والتعديل (6/156).

(17)      الثقات (7/190).

(18)       السلسلة الصحيحة (2/307).

(19)       مصنف ابن أبي شيبة (13/225ح16171).

(20) تقريب التهذيب ص (498).

(21)      شعب الإيمان (7/326ح10469) طبعة زغلول.

(22)       الزهد (ص49ح129).

(23)       تقريب التهذيب ص (559).

(24)       الزهد (ص49، 50ح130).

(25)      الكامل (6/230).

(26)       مسند الشهاب (2/317ح1440).

(27)       تقريب التهذيب ص (498).

(28)       تقريب التهذيب ص (274).

(29)       مسند الشهاب (2/316، 317ح1439).

(30) تاريخ بغداد (4/92).

(31) تاريخ بغداد (1/311).

(32) تقريب التهذيب ص (78).

(33) هكذا عرفت ربي ص (113).

(34)       محاضرة في النادي الأدبي بمكة المكرمة.

(35)       لعله لأجل عظم الجنة أخرج الله آدم منها لما عصى، وأهبطه هو وإبليس إلى الأرض.

(36)      مدير جامعة أم القرى، ورئيس النادي الأدبي بمكة.

(37)      ترتيب القاموس (2/220)، ولسان العرب (2/1435).

(38)      معجم مقاييس اللغة (2/303).

(39)       آية (6) من سورة الأنفال، وآية (12) من سورة فصلت، وآية (5) من سورة الملك.

(40)      صحيح مسلم (4/1994، 1995ح 2577).