بحث عن بحث

 

 المبحث السادس : (عَوْدُ أرض العرب مروجاً، وأنهاراً)

 

   حديث «لا تقوم الساعة حتى تعود(1) أرض العرب مروجاً(2) وأنهاراً»(*).

   أخرجه مسلم – وأنفرد به عن الستة –(3)وأحمد(4)، وابن حبان(5)، والحاكم(6)، وأبو نعيم(7),كلهم من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبله منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً»، هذا لفظ مسلم، وموضع الشاهد عند الباقين مثله.

 

الاستدلال :

   استدل بهذا الحديث فضيلة الشيخ عبدالمجيد بن عزيز الزنداني، في حوار دار بينه وبين البروفيسور(8)كورنر(9)، وقد سأله الشيخ عدة أسئلة(10)منها:

   = هل كانت بلاد العرب بساتين وأنهاراً؟

   = فأجاب: نعم .

   = فقلنا: متى كان ذلك؟

   = قال: في العصر الجليدي الذي مر بالأرض، إن الجليد يتراكم في القطب المتجمد الشمالي، ثم يزحف نحو الجنوب، فإذا اقترب من جزيرة العرب، قرباً نسبياً طبعاً، تغير الطقس، وتكون بلاد العرب من أكثر بلاد العالم بساتين وأنهاراً.

   = قلنا له: وهل ستعود بلاد العرب بساتين وأنهاراً؟

   = قال: نعم، هذه حقيقة علمية.

   = فعجبنا كيف يقول: هذه حقيقة علمية؛ وهي مسألة تتعلق بالمستقبل.

   = فسألناه: لماذا؟

   = قال: لأن العصر الجليدي قد بدأ، فهذه الثلوج تزحف من القطب المتجمد الشمالي مرة ثانية نحو الجنوب، وهي في طريقها لتقترب من المناطق القريبة من بلاد العرب. ثم قال: إن من أدلتنا على ذلك، ما تسمعون عنه من العواصف الثلجية، التي تضرب في كل شتاء المدن الشمالية، في أوروبا وأمريكا، هذه من أدلة العلماء على ذلك، لهم أدلة كثيرة على أنها حقيقة علمية.

   = فقلنا له: إن هذا الذي تذكره أنت، لم يصل إليه العلماء إلا بعد حشد طويل من الاكتشافات، وبعد آلات دقيقة يسرت لهم مثل هذه الدراسات، لكننا قد وجدنا هذا مذكوراً على لسان محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم قبل (1400) عام. وذكر الحديث، ثم قال:

   = فقلنا له: من قال لمحمد صلى الله عليه وسلم أن بلاد العرب كانت بساتين وأنهاراً.

   = فأجاب على الفور قال: الرومان.

   = فتذكرت قدرته على التخلص من المآزق؛ فقلنا إذن نوجه له سؤالاً آخر، فقلنا له: ومن أخبره بأنها ستعود مروجاً وأنهاراً؟

   = لقد كان يفر إذا أحرج، وإذا وجد فرصة، ولكنه إذا وجد الحقيقة، يكون شجاعاً ويعلن رأيه بصراحة.

   = قال: إن هذا لا يمكن أن يكون إلا بوحي من أعلى.

انتهى الحوار(11).

   واستدل بهذا الحديث عبدالمجيد الزنداني، ومصطفى عبدالواحد، وأليسون بَالْمَرْ(12)، في بحثهم بعنوان: (مفاهيم – أفكار – جيولوجية في القرآن والحديث النبوي) (13)، قالوا: "ولعل أكثر الأفكار إثارة للحيرة، ما ورد في حديث نبوي شريف". وذكروا الحديث، ثم قالوا: "وتَعْتَبـِر الأدلة الجيولوجية والأركيولوجية (علم الآثار القديمة) بأن بلاد العرب كانت خضراء، وستعود كذلك، فكرة لم تظهر إلا منذ قرن واحد، فهل من الممكن أن يعرف محمد صلى الله عليه وسلم شخصياً هذه الأشياء؟

   يجيب على هذا السؤال العالم الحذر بالمر، مفيداً أن ذلك غير ممكن بالنسبة لكثير من الملاحظات؛ فهو يتطلب فهماً متقدماً جداً للتأريخ الطبيعي، ثم أضاف أنه يمكن معرفة كونها كانت مروجاً وأنهاراً، بتناقل الأخبار عن الماضي، إلا أنه لا يمكن، ولا يوجد تفسيرات منطقية واضحة، لمفهوم عودة ظروف مناخية أفضل إلى شبه الجزيرة العربية". اهـ.

   ويوضح هذه القضية، الدكتور زغلول النجار فيقول: "وعندنا الدراسات الجيولوجية، تؤكد أن الجزيرة مرت بثمان دورات مطيرة مطراً شديداً، تخللها سبع دورات جفاف، نحن في دورة الجفاف السابعة، ويتوقع العلماء أن تتحول هذه الدورة إلى دورة أمطار مرة أخرى، وهناك شواهد علمية كثيرة تؤكد ذلك، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:: «لا تقوم الساعة حتى تعود...». "هو شهادة صدق بنبوة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يكن أحد على عهده صلى الله عليه وسلم يدرك أن جزيرة العرب كانت في الماضي مروجاً وأنهاراً، ولم يكن أحد يتوقع أن يعود هذا مرة أخرى"(14). 


(1) عاد إليه، وله، وعليه، يعود عوداً وعودةً: رجع وارتدّ. وعاد الأمرُكذا: صار إياه، يقال: عاد   

    فلان شيخا: أس صار شيخا. انظر: القاموس، ولسان العرب، والمعجم الوسيط، مادة (عود).

(2)  المرج: أصله: أرض ذات نبات تمرج فيه الدواب. معجم مقاييس اللغة (5/315). وفي النهاية

   (4/315): المرج: الأرض الواسعة، ذات نبات كثير، تمرج فيها الدواب، أي تخلى وتسرح كيف  

    شاءت.

(*) إنه الحق ص (31).

(3)  صحيح مسلم – كتاب الزكاة – باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها (2/701 عقب

    ح1012)، وكما هي عادة محققة في ذكر أول رقم للحديث إذا تكرر، في المواضع التي تكرر فيها،

    فقد وضع له رقم (157) لكن في الموضع الأول رقم (157) لم يرد اللفظ المستدل به.

(4) المسند (2/370، 371، 417).

(5) الإحسان (8/247ح 6665).

(6)  المستدرك (4/477).

(7)  الحلية (7/141)، وفي المطبوع: (لا تقدم الساعة) بالدال، والظاهر أن الواو حرفت دالاً، والله

   أعلم.

(8)  تعني: أستاذ.

(9) قال عنه الشيخ: إنه من أشهر علماء العالم في الجيولوجيا، اشتهر بين العلماء بنقده لنظريات

    أكابرعلماء العالم في علم الجيولوجيا. كتاب (إنه الحق) ص (28)، وذكر في بعض

    المحاضرات: أنه ألماني، وتخصص في شبه الجزيرة وأرض أفريقيا.

(10)  ذكر الشيخ في بعض محاضراته، أن هذه المقابلة تمت في كلية علوم الأرض بجامعة الملك

     عبدالعزيز بجده.

(11)  هذا الحوار ذكره الشيخ الزنداني في كثير من محاضراته، ثم في برنامجه التليفزيوني: (إنه

    لحق)، ثم طبعته هيئة الإعجاز العلمي بهذا العنوان في كتيب صغير، وهذا الحوار في صفحة

    (30 – 32)، ونقله كل من: الدكتور مأمون شقفه في كتابه (القرار المكين) (18)، والشيخ

    الشعراوي في كتابه (الأدلة المادية على وجود الله) ص (114، 115)، ومحمود مهدي

    الاستانبولي في كتابه (إعجاز القرآن العلمي) ص (187 – 189).

(12) من أشهر علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، كان رئيس اللجنة التي أشرفت

    على الاحتفال المئوي للجمعية الجيولوجية الأمريكية. كتاب (إنه الحق) ص (68).

(13) من أبحاث المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – بإسلام آباد – باكستان

     ص (11، 12).

(14)  في محاضرة له بعنوان (الإعجاز العلمي في القرآن) في النادي الأدبي بأبها، رقم الشريط في    

    تسجيلات التقوى (8962/2).