المبحث الثامن : (تحت البحر نار وتحت النار بحر  )

 

   حديث عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يركبن رجل البحر إلا غازياً، أو معتمراً، أو حاجاً؛ فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً»(*)تقدم تخريجه(1).

الاستدلال :

   استدل بهذا الحديث، الدكتور علي محمد نصر، في بحثه (القول القويم في إعجاز القرآن الكريم) (2)، والشيخ عبدالمجيد الزنداني، في محاضرته (معجزة القرآن في هذا الزمان) (3)؛ على إنه إعجاز علمي للسنة، فقد أثبت العلم الحديث هذه الحقيقة التي أخبر بها الحديث، بل وأخبر بها القرآن،قال تعالى:( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) [الطور: 6]، فقد أثبتت أجهزة التصوير العلمية الحديثة الدقيقة لتصوير أعماق البحار، أن في قيعان البحر العميقة، ناراً ملتهبة.

   وزاد الشيخ الزنداني على هذه القضية – أعني قضية أن تحت البحر ناراً – زاد قضية أخرى، وهي أنه اُكْتُشِفَ أيضاً وصُوّرَ ماء يخرج من النار التي تخرج من قاع البحار والمحيطات، فقال – وهو يشرح صوراً حقيقية لقيعان المحيطات والشقوق الموجودة فيها، حيث تخرج منها النيران –: "هذا سطح البحر، وهذه النار التي من أسفل،هذا مكان الشقوق وخروج النار، هذه نيران بأكملها، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «لا يركبن رجل البحر...» ثم قال: "وفي بعض الأحيان، يحدث انفجار هائل، يضغط على سطح البحر؛ فيكون موجة هائلة، فتدمر السفن القريبة، أو تخرج النار إلى سطح البحر، لذلك قيل: الجمع بين هذا الحديث، وبين النصوص الأخرى التي تحث على ركوب البحر، والانتفاع به وابتغاء فضل الله، بأن النهي ليس للتحريم". ثم تابع الحديث عن الصور، فقال: "هذه صورة حقيقية من قيعان المحيطات، تخرج النار كما ترون مع الماء، من الأسفل، من الأعماق السفلى يطلع ماء، هذا الماء من أين يأتي؟ لا يدرون، هم إلى الآن لا يعلمون من أين يأتي، ولكنه يخرج ومعه تلك النيران، وحديث رسول الله r يقول: «فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً». ولعل هذا الماء من البحر الذي أسفل، فهم يرون ماءً يأتي، ولا يدرون من أين يأتي على وجه القطع، هناك نظريات ولكن ليسوا متأكدين".

   ثم أخذ يتكلم عن الحديث من ناحية حديثية، فقال:

  "هذا الحديث، لعلماء الحديث موقف منه؛ لأن فيه مجاهيل، ولكن كون أن فيه مجاهيل، لا يعني أنه غير صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهنا علماء الحديث متوقفون، لا يستطيعون أن يجزموا بصحته، وكذلك يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من أحاديثه. لكن في مصطلح الحديث، إذا كان هناك قرائن تحف بالحديث، فإنها تنقله من صفة إلى صفة، فعندئذ ينتقل الحديث بالواقع إلى درجة الصحة، ويعلم أن هؤلاء المجاهيل ثقات، وأنهم لم يرووا كذباً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ". اهـ.

التعليق :

   وجه الاستدلال بالحديث واضح وظاهر، ولذا فليس لي تعليق من هذه الناحية، إنما التعليق، هو من ناحية الصناعة الحديثة:

   أولاً: من حيث الجمع بين هذا الحديث، وبين الأحاديث المبيحة لركوب البحر، فلعل شرح الخطابي لهذا الحديث يدخل في هذا الباب، حيث قال: "تأويله تفخيم أمر البحر وتهويل شأنه؛ وذلك لأن الآفة تسرع إلى راكبه، ولا يأمن الهلاك في ملابسة النار ومداخلتها والدنو منها"(4). اهـ.

لكن هذا الجمع ينفع حال ثبوت الحديث، وهو لم يثبت.

   ثانياً: قوله: "لعلماء الحديث موقف منه؛ لأن فيه مجاهيل"، إلى قوله: "كذلك يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "، فيه أمور:

   1– ليست علته هي جهالة بعض رواته فقط؛ بل فيه اضطراب أيضاً – كما قال المنذري – وكذلك مخالفته للأحاديث المبيحة لركوب البحر.

   2– إذا وجد في الإسناد مجاهيل؛ فالحديث غير صحيح في اصطلاح المحدثين، وضوابط المحدثين في تمحيص الروايات، هي أدق ضوابط عرفها الإنسان في نقد الروايات، فلا نثبت حديثاً ضعفه أهل الاختصاص بالروايات، بحجة أنه قد يكون صحيحاً في الواقع ونفس الأمر، ولو فتح هذا الباب لأدعى كل مبتدع ثبوت ما يؤيد بدعته بهذه الدعوى.

   3– لم يتوقف المحدثون في أمر هذا الحديث، بل حكموا عليه بالضعف، خلاف ما يفهم من كلام الشيخ، وروايتهم للحديث إن كان ضعيفاً؛ فذلك إما للاعتبار به، إذا كان الضعف يسيراً، أو للتنبيه عليه إذا كان الضعف شديداً.

   ثالثاً: قوله: "لكن في مصطلح الحديث..." إلى قوله: "درجة الصحة"، فيه تفصيل، وهو أن ما ذكره من تأثير القرائن على الحديث، وأنها تنقله من صفة إلى صفة، صحيحٌ، لكن ما رَتَّبَهُ على هذه القاعدة، من أن هذا الحديث ينتقل بمطابقته للواقع إلى درجة الصحة، غير صحيح، ولم أجد من المحدثين من ذكر أن الواقع يقوي الأحاديث، وذلك لأنه قد يكون هذا من قول إنسان غير النبي r ، وصادف أنه وافق الواقع، أو قد يكون استنبطه من الوحي، أو أخذه من الاسرائيليات، ولم يكن مما حُرِّف، فوافق الواقع، فموافقته للواقع لا يلزم منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ولم تستخدم قرينة الواقع إلا في جانب الرد، قال ابن القيم في بيان الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً: "ومنها: تكذيب الحس له"(5). والله أعلم.

   رابعاً: وقوله: "ويُعْلَم أن هؤلاء المجاهيل ثقات، وأنهم لم يرووا كذباً على الرسول r "، غير صحيح؛ فإن وصف الثقة لا يكتسب بمجرد موافقة خبر الراوي للواقع، وإنما هو وصف متعلق بعدالة الراوي وضبطه، بخلاف المجهول، فإنه لا يدري من هو إن كان مجهول العين، ولا حاله إن كان مستوراً.

   ثم إن وصف الراوي بالجهالة، لا يعني أنه يروي كذباً عن النبي صلى الله عيه وسلم ، كما يبدو من فهم الشيخ الزنداني للمجهول، ولكن غايته أنه يتوقف في قبول خبره حتى يعتضد بعاضد يقويه.

 


(*) القول القويم في إعجاز القرآن الكريم ص (31، 32) من أبحاث ضوابط الكتابة في الإعجاز العلمي، المقدمة للمؤتمر الدولي للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – باكستان – 1987م.

(1) في مبحث كروية الأرض.

(2) المصدر السابق.

(3) محاضرة (معجزة القرآن في الزمان) للشيخ عبدالمجيد الزنداني، مسجلة في نادي الشريط الإسلامي – بمكة – برقم (51).

(4) معالم السنن (3/359).

(5) المنار المنيف (51).

 

 

Free Clash Royale Account Free Roblox Accounts https://yourfreeaccountspasswords.com Free Roblox Accounts


بحث عن بحث