بحث عن بحث

وهذه القاعدة هي الجامعة للسمات كلها، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقفز للعلو في الأمور الحسية، فكذلك في أمر طلب العلم، وهو المهم، فعلى طالب العلم أن يسلك سبيل التدرج، وذلك لأن التدرج سنة لا بد منها، ولهذا فإن من أعظم فوائده رسوخ العلم وثباته، ومن أجل ذلك نزل القرآن منجمًا ومفرقًا، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32].

ويقول ابن خلدون في مقدمته: (اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا، إذا كان على التدرج، شيئا فشيئا وقليلا قليلًا، يلقي عليه أولًا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يورد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك المرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته، ثم يرجع به وقد شد، فلا يترك عويصًا ولا مبهمًا ولا منغلقًا إلا وضّحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته، هذا وجه «التعليم المفيد»، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يُخلق له ويتيسر عليه).

والتدرج يكون بما يلي في:

¤   المختصرات ثم المتوسطات ثم المطولات.

¤   الأهم فالمهم.

قال ابن عبد البر: طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعدّيها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضل، ومن تعداه مجتهدًا زلّ. ا. هـ .

وقال الزهري : ليونس بن يزيد تلميذه: يا يونس لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فمن أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ا. هـ.

وقد سار السلف رحمهم الله تعالى على هذا المنهج القويم في:

¤   تصانيفهم.

¤   وتدريسهم.

¤   في التصنيف مثلًا: ما صنّفه الإمام الفقيه ابن قدامة المقدسي :، فقد صنّف في الفقه أربعة كتب رتّبها على سبيل التدرج والترقي، فكتابه عمدة الفقه للمبتدئين، ثم المقنع لمن هم أعلى منهم، ثم الكافي وفيه روايات المذهب بأدلتها، ثم المغني في الفقه المقارن.

¤   وفي تدريسهم ما كان يفعله كثير من العلماء سابقًا قبل الدراسات النظامية، ومنهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم : حيث كان له ثلاث حلق: حلقة للمبتدئين، وحلقة للمتوسطين، وحلقة للمنتهين، ولا يسمح : للأدنى الدخول في الحلقة الأعلى.

ما المنهج العلمي في المرحلية؟

قبل الإجابة على السؤال العملي، ينبغي أن نستحضر جميع ما قيل من سمات المنهج، لأن هذه السمات كالسلسلة مترابطة الحلقات.

ثم أقول: بعد حفظ القرآن الكريم يبدأ في تأسيس نفسه في العلوم الشرعية الأصيلة وهي التفسير والحديث والفقه والعقيدة، فيأخذ متنًا مختصرًا فيقرأه على شيخ، وما يمكن حفظه يحفظه، «من حفظ المتون فاز الفنون»، «من لم يتقن الأصول حرم الوصول»، فيبدأ بالتفسير على ما كان يبدأ به الأوائل وهو تفسير الجلالين جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي مع الانتباه لما فيها من التأويل لبعض صفات الله تعالى، فهو تفسير مختصر يبين المعنى للآيات والكلمات.

ثم تفسير ابن سعدي فهو أطول قليلًا، وفيه بيان معنى الآيات وبعض أسباب النزول، ثم تفسير ابن كثير وهكذا، وكل هذه القراءات على شيخ معتبر.

وفي الحديث يبدأ بالأربعين النووية، يحفظها ثم يقرأ شرحها.

وبعد ذلك عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي يحفظها، ويستمع إلى شرحها من أحد المشايخ المتخصصين، ثم يدخل بعد ذلك بلوغ المرام للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني :، وإن حفظه فهو أحسن وإلا فيكفي استحضاره مع الاستماع إلى شرحه من أحد العلماء.

ثم يجعل لنفسه قراءات في المطولات ابتداءً بالصحيحين، ثم السنن مع أحد شروحها.

وفي الفقه يبدأ بزاد المستقنع في الفقه الحنبلي لموسى الحجاوي، ثم منار السبيل لابن ضويان أو الروض المربع، ثم التعليق عليها ثم الكافي وهكذا، ويحفظ منها زاد المستقنع، والباقي يدرس شرحًا، هذا إذا كان في بيئة حنبلية أما إذا كان في بيئة حنفية أو مالكية أو شافعية فيقيس عليها ما ذكر، يبدأ بمختصر ثم المتوسط من كتب المذهب ثم المطول.

وفي العقيدة: يبدأ بالأصول الثلاثة والمسائل الأربع حفظًا وشرحًا، وكتاب التوحيد حفظًا وشرحًا ، وكلها في توحيد العبادة، ثم لمعة الاعتقاد، والعقيدة الواسطية، ثم الطحاوية مع شرحها دراسةً، وكلها في مسائل العقيدة بعامة.

وفي الفرائض: متن الرحبية مع شرحها، فإن حفظها فهو أولى.

وبعد ذلك العلوم المؤصلة والمقعدة أو المساعدة:

ففي أصول التفسير: أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية :.

وفي مصطلح الحديث: نخبة الفكر لابن حجر حفظًا وشرحًا، ثم علوم الحديث لابن الصلاح ثم المطولات.

وفي أصول الفقه: الورقات للجويني حفظًا وشرحًا، أو مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد العثيمين :، ثم روضة الناظر دراسةً.

وفي النحو: الآجرومية، ثم ملحة الإعراب للحريري. وبعدها ألفية ابن مالك : مع أحد شروحها دراسة وإن حفظت فأجود.

ومن المسائل المهمة لطالب العلم: «أن يتخذ زميلًا ملازمًا جادًا يعينه في طريقه» بحيث يشد كل منهما من أزر الآخر ما حفظه من العلم، ويقرآن معًا، ويراجعان معًا، ويا حبذا لو جعلا لهما برنامجًا خاصًّا ثابتًا، علاوة على حضور الحلقات والمجالس العلمية والخاصة، وإن اتخاذ مثل هذا الزميل الصالح الناصح الملازم لك، والذي يشاركك برنامجك لطلب العلم، هو من أعظم الوسائل المعينة على التحمس لطلب العلم الشرعي، لأن المرء ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه الصالحين الناصحين الجادين!!

ثم تصوّر أخي القارئ -  أن طالب العلم الذي حفظ هذه الأشياء وقرأها فلا شك أن السبيل بعد ذلك سيسهل عليه، مع تلك القواعد والأصول العظيمة التي بقيت محفوظة في صدره.

بعد هذه القواعد ينطلق إما للتخصص في فن منها وإما لمجموعها بالالتزام أيضًا بالمرحلية، ولا مانع بعد ذلك أن يوسع قراءته وكتابته وممارسته العلمية.