بحث عن بحث

وهو من أهم ما يبدأ به، فقد كان عند أهل العلم من الأساسيات التي يبدأ بها طالب العلم، قال ابن أبي حاتم: (لم يدعني أبي أطلب الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان).ا. هـ.

والقراءة هنا بمعنى القراءة مع الحفظ.

وقال ابن عبد البر الأندلسي: «أول العلم حفظ كتاب الله ﻷ».

والحفظ في بداية الطلب: يقوي الأساس لدى الطالب، ويجعل ذهنه حاضرًا للاستشهاد، ويقوّي ملكته العلمية، ويرد إليه ما يقرأه ويسمعه، بالإضافة إلى خيرات الدنيا والآخرة من حفظه من الشياطين، وكثرة الأجر والثواب، والطمأنينة.

وكثير من طلبة العلم اليوم يحرص على دقائق المسائل، أو الخلافيات في مسائل الاختلاف، ونحو ذلك وهو لا يحفظ من القرآن إلا شيئًا قليلًا، فحتى لو كبر طالب العلم فعليه أن يبدأ مشروع الحفظ للقرآن الكريم حتى يقوى أساسه، ويستمر معه علمه، ثم اعلم أن طالب العلم لا يليق أن يكون غير حافظ لكتاب الله جل وعلا، لأن حفظه دلالة على نعمة العلم، كما وصف الله جل وعلا: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]. فطالب العلم كلما قوي حفظه لكتاب الله، وتأمل وهو يقول مواقع الاستدلال، فإنه سيكون عنده حجة مبيّنة، يحس من نفسه أنه على نور من ربه؛ لأن كتاب الله معه.

                         قال ابن عبد البر: «طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضلّ، ومن تعدّاه مجتهدًا زلّ، فأول العلم حفظ كتاب الله ﻷ وتفهمه».

                         ولذا فإن حفظ القرآن الكريم في مقتبل العمر ومطلع الشباب تأسٍّ بالسلف، وسير على جادّتهم، وسلوك لهديهم، فقد كانوا يبدؤون بحفظ القرآن الكريم قبل سائر العلوم، ويعتنون به قبل بقية الفنون، وما أن تقرأ في ترجمة أحد أهل العلم إلا وترى في سيرته: «حفظ القرآن الكريم ثم ابتدأ بطلب العلم».

                         قال الإمام النووي: «كان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن».

                         وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :: «وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا: وهو إما باطل، أو قليل النفع، وهو أيضا مقدم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم: من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، والتقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله».

 إذًا فحفظ القرآن عند أهل العلم من الأساسيات التي يبدأ بها طالب العلم، وحفظه سمة بارزة في مجتمع أهل العلم وطلبته، والناظر في كتب التراجم يرى مصداق ذلك، حتى إن بعضهم كان يعاب بعدم حفظه للقرآن، ومن شواهد ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب في ترجمة عثمان بن محمد بن أبي شيبة، قال ما نصه: «ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن».