بحث عن بحث

الحديث عن العلم والتعلّم حديث تحبه النفوس المؤمنة، وترغبه الأنفس الطموحة، وتهواه العقول النيرة، فديننا الإسلامي دين العلم والمعرفة، دين النظر والتفكّر، دين البحث والإنتاج، فالدين كله مبني على العلم، العلم بالله تعالى وبدينه، والعلم بأمره ونهيه، والعلم بمنهاج نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا يعبد العبد ربه على بصيرة إلا بالعلم، ولا تستقيم الأمة على المنهاج الصحيح إلا بالعلم، ولا تسير الدعوات الإصلاحية سيرًا سليمًا إلا بالعلم.

ومن هنا كان للعلم مكانة لا يوازيها شيء، ولذلك قال علي بن أبي طالب ا: كفى بالعلم شرفًا أن يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يتبرأ منه من هو فيه.

ويقول ابن القيم: «كل ما في القرآن من مدح للعبد فهو من ثمرة العلم، وكل ما كان فيه من ذم للعبد فهو من ثمرة الجهل». ا.هـ .

¤   والعلم سبب لرفعة الفرد والأمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[المجادلة:11].

¤   والعلم طريق موصل إلى الجنة، عن أبي هريرة ا أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله به طريقًا إلى الجنة».

¤   والعلم ميراث الأنبياء، والعلماء ورثة الأنبياء، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم .

¤   والعالم والمتعلم صاحبا نور ووضاءة في الدنيا والآخرة، فقد دعا لهما رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بقوله: «نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع».

¤   والعالم والمتعلم يفترقان عن غيرهما في التفاضل فرقًا شاسعًا في الدنيا والآخرة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزمر: 9].

¤   والعالم والمتعلم أعرف الناس بالله وأتقاهم وأخشاهم له؛ إذ إنهم عرفوا الله فعبدوه حق عبادته، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

¤   وطالب العلم مأجور طوال حياته؛ إذ إنه ساعٍ في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع».

¤   والعلم جهاد، فالعالم والمتعلم في جهاد في سبيل الله كما سبق في الحديث السابق، ولما يتحمله في الطلب والتدريس من المشاق والتعب، ولأن من مقاصد الجهاد نشر هذا الدين على الناس فكذلك العلم، والله جل وعلا كما ندب إلى الجهاد ندب فئة من الناس ليتفقهوا في الدين: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122].

¤   والعلم يبقى للإنسان عزا ورفعة في الحياة وكذا بعد الممات، فهو من الباقيات الصالحات للعالم والمتعلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ذكر منها: أو علم ينتفع به...».

¤   والعلم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ودليل الحائرين، وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحوال، وهو الهادي إلى الهدى والرشد، والمنقذ من الضلال والهلاك، وهو الصاحب في الغربة، والكاشف عن الشبهة، مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب كما روي ذلك عن الإمام ابن القيم : وغيره، وبعد فما هو هذا العلم الذي هذه أهميته وتلك فضائله؟

¤   هذا العلم هو العلم الشرعي: العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم ، العلم بتوحيد الله تعالى ومعرفة أحكام شرعه وحلاله وحرامه وترغيبه وترهيبه، والعلم بما يدل عليه من علوم الشريعة واللغة العربية.

¤   هذا العلم منه ما هو فرض عين يجب أن يعرفه كل واحد من المسلمين، وهو المعلوم من الدين بالضرورة وما يجب عليه معرفته، كأركان الإسلام، من توحيد الله تعالى، ومعرفة أحكام الصلاة، وكذا إذا كان تاجرًا وبائعًا ومشتريًا معرفة البيع والشراء وما يتعلق بهما من مسائل وأحكام... وهكذا.

ومنه ما هو فرض كفاية في الأمة، ومندوب للأفراد، وهو الذي ذكر فضله في صدر هذه الكلمات، وهو ما يتعلق به حاجة الأمة من بيان تفصيل أحكام الاعتقاد، وأحكام الحلال والحرام، وتفاصيل ما يتعلق بالآيات والأحاديث، وما يعضد ذلك من اللغة العربية وأحكامها.