بحث عن بحث

7 ـ البعد عن الملهيات:

 عن الربيع بنت معوذ ك قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار «من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم». قالت فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.

من تأمل هذا الحديث وجد أن الصبيان هم من يحتاجون للملهيات المباحة، أما الكبار، كبار العقول والقلوب والأعمار، فهم لا يحتاجون إلى ما يلهيهم في رمضان..ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته.

والقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها وانظر إلى حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما قال: «عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبًا؛ فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعتُ تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك».

فإذا كان القلب ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع. كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا  فرّغ لسانه من النطق بالباطل. وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها.

قال الحسن رضي الله عنه: (نفوسكم مطاياكم إلى ربكم، فأصلحوا مطاياكم تُوصلكم إلى ربكم).

وللناس مع الصيام مراتب... فمنهم من يكف بطنه وفرجه عن قضاء شهوته. ومنهم من يكف النظر واللسان والرجل والسمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام. ومنهم ـ وهو صوم خصوص الخصوص ـ من يصوم قلبه عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى ـ وكفه عما سوى الله ـ تعالى ـ بالكلية.

قال الحسن رضي الله عنه : (ابن آدم لا تعلّق قلبك في الدنيا فتعلقه بشر معلق، اقطع حبالها، وغلّق أبوابها، حسبك يا ابن آدم منها ما يبلغك المحل) فكثرة الشهوات، والغفلة تضعف حياة القلب، ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت، وعلامة موته أنه لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرا.

ولا ينبغي للمسلم أن يتساهل فينساق وراء نزوات الشيطان.. فإنها لا تزال بصاحبها حتى تدعو صديقتها.. فإذا اجتمعن عليك أهلكنك.. فالسيئة تقول: أختي.. أختي... حتى تكتمل عائلتها؛ فتردي بك في مهاوي الهوى والرذيلة..

قال ابن القيم رحمه الله: (لعن إبليس واهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أُمر بها. وأُخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها. وحجب القاتل عنها (أي الجنة) بعد أن رآها عيانًا بملء كف من دم. وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل. وأمر بإيساع الظهر سياطًا (أي بالجلد) بكلمة قذف أو بقطرة مسكر. وأبان عضوًا من أعضائك بثلاثة دراهم. فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه âوَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا á [الشمس : 15].

دخلت امرأة النار في هرة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد مابين المشرق والمغرب.

وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فختم له بشر عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة، قال: ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: تلك حدود الله إلى: وله عذاب مهين.

إن إبليس وجنوده متربصون بنا كل متربص، لا يسره سيرنا في طريق الجنة، وهو وجنوده في طريق النار..بل يزين لنا طريق الغواية، وسبيل الشهوات، ولربما دعاه لأن يجرب مرة، ويعقد التوبة بعدها..أو يدعوه إلى التمتع، فإذا كبر أدى فريضة الحج،فمحيت عنه السيئات، ومن ثم بعدها يتوب..

قال ابن الجوزي رحمه الله: (ومن الاغترار أن تسئ؛فترى إحسانًا فتظن أنك قد سومحت، وتنسى: âيَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ á [النساء: 123]. وربما قالت النفس: إنه يغفر فتسامحت. ولاشك أنه يغفر ولكن لمن يشاء) فلا تغتر بكرم الكريم، ومغفرة الغفور، وعفو العفو، ورحمة الرحمن.. فتنسى أنه شديد العقاب لمن خالفه وعصاه؛فالجنة أعدت لمن أطاعه،والنار لمن خالف أمره وعصاه.

(فكيف يكون عاقلًا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟).

قال ابن الجوزي رحمه الله: (وما هلك الهالكون إلاّ لقلة الصبر عن المشتهى. وربما كان فيهم من لا يؤمن بالبعث والعقاب.وليس العجب في ذاك، إنما العجب من مؤمن يوقن، ولا ينفعه يقينه، ويعقل العواقب ولا ينفعه عقله) وكم من موقن يغرق في سكره! ويشعر باللذة المزعومة، بسبب غفلته .. ولكن المؤمن لا يلتذ لأن علم التحريم يقف أمامه،فيردعه،ويتوقف خوفًا من عقوبة ربه، وغضب مولاه.

وإن تركت الأمر لهواك، ليقودك هلكت.. (فما مثل الهدى إلا كسبع في عنقه سلسلة ؛فإن استوثق منه ضابطه كفه. وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه؛ فلم تقاومها السلسلة؛ فأفلت على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة، ومنهم من يكفه بخيط، فينبغي للعاقل أن يحذر شياطين الهوى وأن يكون بصيرًا بما يقوى عليه من أعدائه، وبمن يُقوى عليه).

ولئن تركت لها الحبل على الغارب هلكت، ولربما أهلكت من حولك، من رفقة وأهل، بتزيينك الباطل لهم، وحرصك على غوايتهم.

ولئن أضعت عمرك، ولاسيما الأوقات الفاضلة كرمضان لتجدن مغبة ذلك في الدنيا والآخرة.

قال ابن القيم رحمة الله: (فالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها، لجهلها بمضرته لها تارة، ولفساد قصدها تارة، ولمجموعهما تارة، وقد ذم الله تعالى في كتابة من أجاب داعي الجهل والظلم فقال في كتابه: âفَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ á [القصص: 50].

وقال: âإِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىá [النجم : 23].

وقال تعالى: âأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ á [الجاثية : 23]. فلا تقدم هواك على رضا ربك –سبحانه-فتهلك ويفوت حظك من هذا الشهر الكريم.

8 ـ الدعاء:

قال الله تعالى: âوَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ á[غافر : 60].

وقال عز وجل: âقُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًاá [الفرقان : 77].

عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: âوَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَá.