بحث عن بحث

المبحث الثالث

أمور معينة تعين على حفظ الصيام، وتجنب المفطرات

1 ـ استشعار حقيقة الصيام وحرمة الشهر:

إن الصيام وشهر رمضان من شعائر الدين العظيمة .. ومن المقاصد الجلية- ما لو تفكر فيه العقلاء- لرأوا عجبًا. .

فمصالح الصوم مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة، وقد شرعه الله لعباده رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وحمية لهم وجنة.

ولو استشعر المؤمن حقيقة الصيام، وحرمة الشهر حق الاستشعار لتولد لديه حاجز المحبة.. والرجاء.. والخوف..

فمحبة لهذا الخالق العظيم الذي شرع للعباد ما فيه مصلحة لهم، في أمر دينهم ودنياهم..محبة تغذيهم بعمل الجوارح للطاعات، وتدفعهم للخير.. وتوقد الهمة والعزيمة على كل خير..

ورجاء فيما عند الكريم من أجر عظيم.. رجاء يتعرض به لنفحات الجواد الوهاب في هذا الشهر العظيم..

وخوف يمنعه من الوقوع فيما يغضب المولى جل جلاله، ويحجزه عن الوقوع في المحرمات.

وليتأمل المسلم قوله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ حول هذه الكلمة: (اعلم أن في الصوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافته إلى الله عز وجل حيث يقول -سبحانه-: «الصوم لي وأنا أجزي به» وكفى بهذه الإضافة شرفًا كما شرف البيت بإضافته إليه في قوله: «وطهر بيتي».

وقد فضل الصوم لمعنيين:

أحدهما: أنه سر وعمل باطن، ولا يراه الخلق ولا يدخله رياء.

الثاني: أنه قهر لعدو الله، لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما الشهوات بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة، فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك...

وإذا علم الإنسان الحكمة والمقصود من شهر الصيام فإنه يدفعه للعمل، ولتعظيم شعائر الله أن ينتهك فيها ما حرم الله، أو يتساهل في أموره..

قال ابن القيم رحمه الله: (المقصود من الصيام حسب النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكره بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجارى الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه).

فالصوم سلاح عظيم يفعل بالنفس الأعاجيب.. يقودها إلى البر والإحسان ورضا الخالق الديان.. ويحبسها عن طرائق الشيطان والسبل الموصلة للنيران.. وحجاب حاجز عن إبليس وأعوانه..

ألا ترى قرب المؤمن من خالقه.. وسكنه بمناجاته..ولذة العيش بالقرب منه في هذا الشهر الكريم..وتطهير نفسه من رذائل الأخلاق.. وارتكاب المحرمات... والذي ينفع صاحبه – بإذن الله- هو الصيام الحقيقي الذي امتنع صاحبه عن كل مفطر حسي ومعنوي.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر».

فليس الصيام بترك الطعام والشراب –كما يفهمه بعض الناس اليوم- ولكنه شعيرة عظيمة، فيها مصالح كبيرة تقوده إلى ركب المتقين، ليفوز برضوان رب العالمين.