بحث عن بحث

مسألة: حكم المفطرات المعنوية من حيث إفسادها للصوم أو عدمه:

اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة بعد اتفاقهم على وجوب حفظ الجوارح عن المعاصي صائمًا كان أو غير صائم، وهي في حق الصائم أكد.

القول الأول: أن هذه المعاصي لا تفطر الصائم لكنها تذهب بركة صومه وتنقص أجره. وهذا قول الجمهور من الحنفيةوالمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم.

واستدلوا بالحديث المتقدم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

فقد ورد في الحديث النهي عن الرفث والجهل وأرشد الصائم لما يفعله إن سابه أحد أو قاتله ولم يرد بطلان صيامه .

قال ابن مفلح: ولا يفطر بالغيبة ونحوها، نقله الجماعة. وقال أحمد أيضًا: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم: وذكره الشيخ؛ لأن فرض الصوم بظاهر القرآن الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وظاهره صحته إلا ما خصه دليل.

وفي المحرر لابن عبد الهادي جمهور الأمة: على أنه لا يفطر إلا الأشياء المخصوصة، وهذا الحديث يدل على أن الإثم في رمضان أشد منه في غيره.

قال النووي: فلو اغتاب في صومه عصي ولم يبطل صومه عندنا وبه قال مالك وأبو حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة إلا الأوزاعي، فقال: يبطل الصوم بالغيبة، ويجب قضاؤه.

قال الحطاب، وهو يشرح قول خليل (وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه): ينبغي على بابه؛ لأن كف اللسان عن المعصية والنميمة وغير ذلك وإن كان واجبا إلا أنه لما كان لا تأثير له في فساد الصوم حمل على الاستحباب.

قال ابن عابدين في رد المحتار: وكذا الغيبة؛ لأن الفطر به يخالف القياس، وأما الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث تفطر الصائم» مؤول بالإجماع بذهاب الثواب.

القول الثاني: أن الغيبة والسب وحدهما يبطلان الصوم، وهو قول الأوزاعي، قال ابن حجر: قال الأوزاعي إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم.

القول الثالث: أن صومه يبطل بكل معصية تعمدها، سواءً كانت غيبة أو غيرها من المعاصي. وهو مذهب الظاهرية.

قال ابن حجر ، وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلا أو قولا؛ لعموم قوله فلا يرفث ولا يجهل.

واستدل ابن حزم بما روي عن سليمان التيمي، عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأتين صائمتين تغتابان الناس فقال لهما: «قيئا، فقاءتا قيحا ودما ولحما عبيطا»، ثم قال عليه السلام: «ها إن هاتين صامتا، عن الحلال وأفطرتا على الحرام».

قال أبو محمد: فنهى عليه السلام عن الرفث والجهل في الصوم، فكان من فعل شيئا من ذلك عامدا ذاكرا لصومه لم يصم كما أمر، ومن لم يصم كما أمر فلم يصم، لأنه لم يأت بالصيام الذي أمره الله تعالى به، وهو السالم من الرفث والجهل، وهما اسمان يعمان كل معصية; وأخبر عليه السلام أن من لم يدع القول بالباطل وهو الزور ولم يدع العمل به فلا حاجة لله تعالى في ترك طعامه وشرابه. فصح أن الله تعالى لا يرضى صومه ذلك، ولا يتقبله، وإذا لم يرضه، ولا قبله فهو باطل ساقط; وأخبر عليه السلام أن المغتابة مفطرة وهذا ما لا يسع أحدا خلافه.

قال ابن حزم: وقد كابر بعضهم فقال: إنما يبطل أجره لا صومه، فكان هذا في غاية السخافة.

قال: وبالضرورة يدري كل ذي حس أن كل عمل أحبط الله تعالى أجر عامله فإنه تعالى لم يحتسب له بذلك العمل، ولا قبله، وهذا هو البطلان بعينه بلا مرية.

القول الراجح:

أن الغيبة والنميمة وغيرهما من المعاصي لا تفطر الصائم حقيقة، وإنما تذهب بأجره، وهذا ما دل عليه القول الأول الذي هو قول الجمهور من الحنفية والحنابلة، والمالكية، والشافعية، وغيرهم.

قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم.

قال ابن بطال في شرحه على البخاري: واتفق جمهور العلماء على أن الصائم لا يفطره السب والشتم والغيبة، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الكذب والغيبة والنميمة إذا وجدت من الصائم فمذهب الأئمة أنه لا يفطر؛ أنه لا يعاقب على الفطر كما يعاقب من أكل أو شرب والنبي صلى الله عليه وسلم حيث ذكر «رب صائم حظه من الصوم الجوع والعطش» لما حصل من الإثم المقاوم للصوم... وهذا لا تنازع فيه بين الأئمة.

قال: ومَنْ قال: إنّها تفطر بمعنى أنه لم يحصل مقصود الصوم أو أنها قد تذهب بأجر الصوم، فقوله يوافق قول الأئمة.

قال: ومَن قال: إنها تفطر بمعنى أنه يُعاقب على ترك الصيام فهذا مخالف لقول الأئمة.

ويجاب عن أدلة القولين الآخرين بما يلي:

أن حديث خمس يفطرن الصائم فباطل لا يحتج به.

وأما الحديث الذي استدل به ابن حزم، فهو ضعيف لانقطاعه بين سليمان التيمي، ومولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رواه جماعة عنه عن رجل، عن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفهم حماد بن سلمة فأسقط الواسطة المبهم.

وأما بقية الأحاديث التي استدلوا بها فيجاب عنها جملة أن هذه الأحاديث المراد بها أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء لا أن الصوم يبطل

خاتمة :

يتلخص مما سبق أن جميع المعاصي سواء المتعلقة باللسان أو اليد أو الرجل لا تفطر الصائم، بل تنقص من أجره،  ومما يوضح قوة هذا القول أن الأحاديث الواردة في الفطر مؤولة بالإجماع بذهاب الثواب.

وتظهر ثمرة الخلاف في وجوب القضاء لمن قال: أن المعاصي تفطر لأن صومه باطل وعدم وجوب القضاء لمن قال أنها لا تفطر فصومه صحيح، وإن كان ينقص أجره بقدر ما أرتكب من معصية.