بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

الوقت وخصائصه

من أهم خصائص الوقت ما يلي:

1 ـ الوقت أغلى ما يملكه الإنسان :

الوقت هو أثمن شيء في الحياة، بل هو الحياة نفسها، فكل يوم يمرّ من الوقت إنما هو ذهاب بعض من عمر الإنسان، حتى ينقضي هذا الوقت بانقضاء حياته، وهو تصديق لقول الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك».

فالوقت أو الزمن الذي يدور فيه الإنسان ويتحرك وفق منظومته هو آية عظمى ونعمة كبرى ينبغي الاستفادة منه في البناء والإنتاج، قال الله تعالى: âوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا á. لاسيما في مرحلة الشباب والقوة والنشاط، لأن الإنسان يضعف مع تقدم السن، وتخار قوته حين يبلغ به العمر عتيًا، فلا يستطيع أن يقوم بالأعمال التي كان يقوم بها في شبابه.

وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيان نعمة الوقت وقيمته في حياة الإنسان، وعدّه من النِّعم التي يتقلب فيها، وأن من الواجب استثماره وتسخيره في وجوه الخير والإحسان والبناء في الحياة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ».

2 ـ الوقت ينقضي بسرعة :

إن الزمن في حالة حركة ومضي نحو الأمام بصورة دائمة، فلا تستطيع قوة أن توقفه أو تسكنه إلا الله تعالى، فهو يمضي سريعًا كالقطار الذي لا يقف عند محطة، والطائرة التي لا تهبط في مطار، وقد قيل في المثل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.

والمتمعن في حال نفسه، وحال هذه الحياة والكون من حوله منذ أن كان صغيرًا وإلى الوقت الذي هو فيه، يدرك حقيقة السرعة التي يمضي بها الوقت، وكيف يأكل من عمر الإنسان، دون أن يشعر بتلك المسافات الزمنية الطويلة التي قضاها، وكأن لسان حاله يقول: ما فات من الزمن سنوات وشهور وأيام ما هي إلا ومضة خاطفة في جوف هذا الكون الفسيح، وأن الحاضر ما هو إلا ماض في غده القادم.

وقد عبّر القرآن الكريم عن زمن الحياة التي عاشها الإنسان كأنه أحد طرفي اليوم، أو ساعة منه، قال الله تعالى: âكَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا á، وقال جل ثناؤه: âوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَá.

وصدق الشاعر القائل:

دقــات قلب المرء قائلة له

  إن الحياة دقائق وثواني

فالعاقل من يحافظ على الوقت، ويحسن الاستفادة منه، لتطوير سبل الحياة، وبناء الكون في أجمل صورة، ولتأمين مستقبل آمن لما بعد الموت.

3 ـ لا يمكن إرجاع الوقت أو تعويضه :

من خصائص الوقت ـ أيضًا ـ أنه لا يمكن استعادة لحظة منه، فما مضى من عمر الإنسان لا يمكن إرجاعه أو تعويضه، لذا؛ جاء التحذير والتقريع مرارًا وتكرارًا على الذين ضيّعوا أوقاتهم وأعمارهم في دروب المعصية والغواية، حيث لا يتذكر هؤلاء الغافلون بعظم إفراطهم في الوقت إلا حين تقترب منهم ساعة الأجل، قال الله تعالى: âوَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ á.

وكما قال الشاعر:

بكيت على الشباب بدمع عيني
فيا أسفًا أسفت على شباب
عريت من الشباب وكنت غصنًا
فيا ليت الشباب يعود يومًا

  فلم يغن البكاء ولا النجيب
نعاه الشيب والرأس الخضيب
كما يعرى من الورق القضيب
فأخبره بما فعل المشيب

ثم يتبع هذا الندم ندمٌ أكبر يوم القيامة، حين يعرف كل إنسان مصيره، إما إلى الجنة أو إلى النار، قال الله تعالى: âوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ á .

ولكن أنّا لهم الرجوع والعودة إلى الدنيا، وقد كانت آيات الله تتلى عليهم وهم في الدنيا بكامل صحتهم وعافيتهم، وكانوا يستطيعون أن يستثمروا الزمن ويستغلوه في عمارة الكون على الخير والصلاح والرقي بالحياة إلى العلياء.

فلا جدوى من هذا الاستنجاد وهذا النداء، قال الله تعالى: âكَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَá ، وقال جل شأنه:           âالَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ á.

ومن هنا، كان لزامًا على المؤمن تدارك الزمن، فيحافظ عليه ويعض عليه بالنواجذ، ويبرمج نفسه ضمن إطاره.