بحث عن بحث

الوقفة الرابعة:

 

خصائص الوقت

إذا تأملنا في هذا الوقت الذي أشار إليه هذا الحديث نجد أن له خصائص؛ على الإنسان أن لا يغفل عنها .. أذكر من هذه الخصائص ما يلي:

1-  أنه سريع الانقضاء فهو يمر مرَّ السحاب:

إذا كان آخـر العمر موتًا         فسـواء قصيـره والطـويـل

والواقع خير شاهد على هذا، ولا يحتاج إلى دليل.

2- ما مضى من هذا الوقت لا يعود:

يقول الحسن: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود.

يقول أحدهم: جلست يومًا بين يدي الله تعالى نادمًا على أوقات سلفت من عمري واستدعيت لحظة من لحظات حياتي فقلت لها: أريدكِ أن ترجعي إليّ حتى أستغلك في الخير.

قالت: إن الزمان لا يقف محايدًا أبدًا.

قلت: يا لحظة أرجوك ارجعي إليّ حتى أنتفع بك وأعوض تقصيري فيك.

قالت: وكيف أرجع وقد غطتني صفحات أعمالك!

قلت: افعلي المستحيل وارجعي فكم من اللحظات قد ضيعتها بعدك؟

قالت: لو كان الأمر بيدي لرجعت، ولكن لا حياة لمن تنادي وقد طويت صحائف أعمالك ورفعت إلى الله تعالى.

قلت: وهل يستحيل رجوعك إلي وأنت تخاطبيني؟

قالت: إن اللحظات في الحياة إما صديقة ودودة تشهد لصاحبها وإما عدوة لدودة تشهد عليه، وأنا من اللحظات التي هي من أعدائك، والتي تشهد عليك يوم القيامة، فكيف يجتمع الأعداء؟

قلت: يا حسرتى على ما ضيعت من عمري من لحظات ولكنني أرجوك ارجعي إلي حتى أعمل فيك صالحًا فيما تركت، وسكتت اللحظة ..

فقلت: يا لحظة! ألا تسمعيني؟ أجيبيني أرجوك.

قالت: يا غافلًا عن نفسه، يا مضيعًا لأوقاته ألا تعلم أنك الآن من أجل إرجاع لحظة قد ضيعت لحظات من عمرك، فهل عساك ترجعها كذلك؟ ولكن لا أقول إلا: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [سورة هود: 114].

كان هذا حوار مع لحظة أحببت إيراده لما  فيه من لمسات لطيفة يدركها من تدبر قراءتها وأمعن النظر في مضمونها، فلتعلم أن الدقيقة التي تمرُّ لن تعود مرة أخرى، ولما كان لكل واحد منا عمر واحد فقط، ولما كانت الأيام والأسابيع والسنون تجري من حولنا بسرعة.. أعتقد أنه من الأفضل أن نأخذ من الحياة أقصى ما نستطيع قبل أن ينتهي الزمن المخصص لكل منا.

3- من خصائص الوقت أيضًا: أنه أنفس ما يملك الإنسان لأنه حياته ومستودع أعماله.

ومن هنا أمرنا باغتنامه وعدم التفريط فيه، بل والحرص عليه كما كان السلف رحمهم الله تعالى.

يقول الحسن: أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم.

ويقول ابن مسعود: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.

ويقول الشاعر:

إذا مرَّ بي يوم ولم أقتبس هدى           ولم أستفد علمًا فما ذاك من عمري

وقد نوّه الله سبحانه وتعالى إلى هذه النعمة العظيمة في قوله: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿7 وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7 - 8]، وقد أمرنا جل وعلا بالمسارعة في الخيرات ما استطاع العبد إلى ذلك سبيلًا .. فمدح الأنبياء بقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [سورة الأنبياء: 90] وذلك استجابة لقوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

ويعني ذلك المبادرة إلى العمل الصالح قبل الممات، وقد حث رسولنا الأمين صلى الله عليه وسلم  على مثل ذلك، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسّنه: «بادروا بالأعمال؛ هل تنتظرون إلا غنى مطغيًا، أو فقرًا منسيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرُّ».

وقال صلى الله عليه وسلم : «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة».