بحث عن بحث

 

 

مراقبة الله (3-4)

 

 

الفائدة السادسة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله...)، هذه جملة عظيمة، كلماتها قليلة، ومعانيها كبيرة، وفيها عدة وقفات:

الوقفة الأولى: أن هذه الجملة موافقة لقوله - سبحانه وتعالى-: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(1)، فإن السؤال دعاؤه، والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، فقد روى الترمذي من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدعاء هو العبادة)(2).

فتضمن هذا الكلام أن يُسأل الله ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره.

فلنلجأ إلى الله - سبحانه وتعالى- وحده بالسؤال، فقد قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(3)، وقال - جل وعلا-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(4).

الوقفة الثانية: دلت هذه الجملة على سؤل الله - عز وجل- دون خلقه، وهذا السؤال هو المتعين على العباد؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل، وفيه بيان حاجته وفقره إليه، كما أن فيه اعترافاً بقدرة المسؤول على نيل المطلوب، وإجابة السؤال، ودفع الضرر، وجلب النفع، ودرء المفسدة، وكل ذلك لا يصلح له إلى الله وحده لا شريك له، يقول سبحانه: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ)(5).

وروى البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله - عز وجل- يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)(6).

فيفهم من هذه النصوص وغيرها أنه ينبغي للمسلم أن لا يلجأ بسؤاله، ودعائه، واستعانته، واستغاثته، إلا بالله - سبحانه وتعالى- فهو وحده المستحق لذلك، وهو الذي يجيب دعوة الداع إذا دعاه، ومن هنا نعلم خطأ من يلجأ بحاجاته وسؤاله إلى غير الله، أو يتوسل بغيره له، ومن فعل ذلك كان على خطر عظيم في دينه، فالله ­- سبحانه وتعالى- لم يجعل بينه وبين خلقه وسائط، بل هو قريب يسمع دعاء الداع: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(7).

الوقفة الثالثة: اعلم أن الله - سبحانه وتعالى- يحب أن يُسأل، وأن يُلحَّ عليه في السؤال والدعاء والطلب؛ لأنه جواد كريم، بل يغضب - سبحانه وتعالى- من العبد الذي لا يسأله أو يبحث عن واسطة بينه وبينه، فالدعاء والسؤال لله - سبحانه وتعالى- من كمال التوحيد لله - جل وعلا-، يقول - سبحانه وتعالى-: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)(8).

وروى مسلم وغيره عن أبي ذر – رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: (يا عبادي، إنّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفّيكم إياها، فمن  وجد خيراً فليحمد  الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه)(9).

وروى الترمذي – بإسناد حسّنه – عن أنس – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (قال الله تعالى: يابن، آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن، آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)(10).

من هذه النصوص الكريمة نعلم أن الله - سبحانه وتعالى- قريب مجيب، فلا يبقى على المسلم إلا أن يلجأ إلى الله وحده لا شريك له، وأن يخلص دعاءه له، صدقاً من قلبه؛ ليتقبل الله دعاءه، ويستجيب لمسألته، ويعطيه مطلوبه، فالله كريم جواد، خزائنه ملأى لا تنفد: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)(11).

فهل بعد هذا كله يتجه الناس إلى المخلوق الضعيف ليسألوه، أو يجعلوه واسطة بينهم وبين ربهم، ورحم الله القائل:

لا تسألن بُني آدم حـاجةً
الله يغضب إن تركت سؤاله

 

وسَلِ الذي أبوابه لا تُحجَبُ
وبُنيّ آدم حين يُسأل يغضب

الوقفة الرابعة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا استعنت فاستعن بالله ...).

إن هذه الجملة موافقة لقوله - سبحانه وتعالى-: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(12)، ففيها أن الاستعانة لا تكون إلا بالله - سبحانه وتعالى-، وذلك أن العبد عاجز عن الاستقلال، بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على جلب مصالح الدين والدنيا إلا الله وحده، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، قال ابن رجب - رحمه الله-: (وهذا تحقيق معنى قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن المعنى: (لا تحوّل للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله - سبحانه وتعالى-)(13).

 

الفائدة السابعة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف).

 

وهذا النص فيه عدة وقفات:

الأولى: أن المراد بهذه الجملة – كما يقول ابن رجب - رحمه الله – (إنما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه، فكله مقدر عليه، ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق، لو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعاً، وقد دلّ القرآن على مثل هذا في قوله - عز وجل-: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)(14)، وقوله - سبحانه وتعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا)(15)، وقوله - جل وعلا-: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)(16). اهـ كلامه - رحمه الله- (17).

فعلم منه أن كل شيء يحصل في هذه الحياة يصيب الإنسان من خير أو شر إنما هو بتقدير الله - سبحانه وتعالى-، سواء رضي العبد بذلك أو لم يرضَ، فعلى المسلم أن يؤمن بذلك تمام الإيمان، وأن يوقن به تمام اليقين؛ ليتحقق الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره.

الوقفة الثانية: يقول الحافظ ابن رجب- رحمه الله-: (واعلم أن جميع مدار هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد ألبته، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار، النافع، المعطي، المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه - عز وجل-، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع، ودفع المضار، ولهذا ذمّ الله – سبحانه- من يعبد من لا ينفع، ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئاً، فمن يعلم أنه لا ينفع، ولا يضر، ولا يعطي، ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف، والرجاء، والمحبة، والسؤال، والتضرع، والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً، وإفراده بالاستعانة، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة، وحال الرخاء، خلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، يقول الله - سبحانه وتعالى-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)(18)، اهـ(19).

الوقفة الثالثة: أن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان إلا به، ولا يعني هذا الإيمان الاستسلام للشبهات والرغبات، والخوض في الانحراف والضلالات، والاستمرار في الذنوب والمعاصي، كلا، فإنا لذي أمرنا أن نؤمن بهذا، وأمرنا أن نعمل، وأن نجد ونجتهد، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوة الخلق أجمعين، عمل، وأمرنا بالعمل، وسعى، وبذل الجهد، وأمرنا بذلك، يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويجاهد في سبيل الله حتى يسيل دمه، ولم يتواكل على القضاء والقدر، وروى مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)(20).

فإن من ترك الأسباب، وسمح لنفسه بالخوض في الشهوات والرغبات، إنما هو ضعف وتكاسل، وجُبن وتخاذل، نسأل الله العافية.


 


(1)        سورة الفاتحة، الآية: 5.

(2)        رواه الترمذي في سننه، ح 3371، والطبراني في الدعاء رقم 8، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.

(3)         سورة غافر، الآية: 60.

(4)         سورة البقرة، الآية: 186.

(5)        سورة يونس، الآية: 107.

(6)        رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) 5/2310، ح 7405، ورواه مسلم في كتاب التوبة، باب الحض على التوبة والفرح بها، ح 2675، 4/2061.

(7)        سورة البقرة، الآية: 186.

(8)         النساء، الآية: 2.

(9)         رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ح 2577، 4/1994.

(10)         رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب غفران الذنوب مهما عظمت، ح 3534، ورواه الدارمي في سننه 2/322، وأحمد في المسند 5/172.

(11)         سورة النحل، آية: 96.

(12)         سورة الفاتحة، الآية: 5.

(13)        جامع العلوم والحكم ص 482.

(14)         سورة التوبة، الآية: 51.

(15)        سورة الحديد، الآية: 22.

(16)         سورة آل عمران، الآية: 154.

(17)         جامع العلوم والحكم 1/484.

(18)         سورة الزمر، الآية: 38.

(19)         جامع العلوم والحكم 1/484، 485.

(20)         رواه مسلم في كتاب القدر، باب خلق الآدمي في بطن أمه، ح 2647، 4/2040.