بحث عن بحث

القاعدة التاسعة: استخدام الأساليب التربوية المختلفة (7-7)

سابعًا: الإشارة:

وقد استخدم النبي ﷺ أسلوب الإشارة في تعليم الصحابة وتربيتهم وإيصال الدعوة إليهم، وفيما يلي بعض الأحاديث الدالة على ذلك:

- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» ثم شبّك بين أصابعه(1).

فقد استخدم النبي ﷺ يديه وعقدهما على بعض بالتشبيك، ليخبر الأمة أن المؤاخاة بين المؤمنين والعلاقة الإيمانية التي تربطهم ببعض هي كمثل هذا التشبيك والتعاضد بين أصابع اليدين.

- عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويشير بإصبعيه فيسدّهما(2).

وفي هذا الحديث استخدم النبي ﷺ الإشارة في الدلالة على دنو الساعة وقرب قيامها، حيث أشار إلى إصبعين متتاليين من أصابع يده وألصقهما ببعض.

- عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «هذا ابن آدم وهذا أجله» ووضع يده عند قفاه، ثم بسطها، فقال: «وثَمَّ أملُه وثم أمله»(3).

ويشير النبي ﷺ في هذا الحديث إلى طول الأمل الذي يعيش عليه ابن آدم، مع العلم أن أجله أقرب إليه من ذلك بكثير، فهو لا ينظر إلى القريب، ولكنه ينظر إلى البعيد الذي يعلّق عليه الآمال والطموحات.

 

ثامنًا: العرض بالرسم:

لقد استخدم النبي ﷺ في منهجه التربوي والدعوي آلية عرض الحقائق بالرسم أيضًا، لأن البيان في بعض الحالات يحتاج إلى مثل هذا الأسلوب لتثبيت المعلومة واستقرارها في الفكر، وهو أسلوب يشد الأذهان والحواس إلى التركيز أكثر، ومن بعض وجوه الرسم التي استخدمها النبي ﷺ ما يلي:

- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال: «خطّ لنا رسول الله ﷺ خطًا، ثم قال: «هذه سبيل الله»، ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سبل»، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}(4)(5).

وفي هذا الحديث بيان أن الإسلام واضح بعقيدته وتشريعه، وقد اكتمل قبل وفاة النبي ﷺ، كما قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(6).

 فالصراط المستقيم هو هذا الإسلام الموجود في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وأما الابتداع فيه وإدخال إضافات عليه إنما هو من السبل التي تحيد الأمة عن صراطها السوي مع الزمن، لذا فقد حذّر عليه الصلاة والسلام من اتباع البدع والأهواء الدخيلة على الإسلام واعتبارها جزءًا منه.

- وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال: «خط النبي ﷺ خطًا مربعًا وخطّ خطًا في الوسط خارجًا منه، وخطّ خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا إنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا»(7).

حيث يشير النبي ﷺ إلى أن الأجل محيط بالإنسان، سواء بوجود أسباب لمجيئه أم من غير ذلك، فالأجل قادم لا محال لأنه محيط به، فلا يغرن ابن آدم أو يفرح كثيرًا بما أوتي من نعم الدنيا وزخرفها.

- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خطّ رسول الله ﷺ الأرض أربعة خطوط، ثم قال: «أتدرون ما هذا»؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران رضي الله عنهن»(8).

كانت تلك بعض أساليب العرض التي استخدمها النبي ﷺ في التربية والدعوة إلى الله تعالى، والحاجة اليوم ماسّة إلى هذا الأسلوب التربوي الفريد من قبل المعلّمين في المدارس والجامعات، ومن قبل المختصين في التربية والنفس في مراكزهم، ومن قبل الآباء والأمهات مع الأبناء داخل الأسرة، ومن قبل الخطباء والدعاة في المساجد والميادين الدعوية الأخرى.

    

ونستخلص مما سبق أن المربّي الحصيف بعد كونه قدوة يستخدم الأساليب المتنوعة مع المتربين والمدعوين حسب الحاجة إلى هذه الأساليب، سواء ضرب مثل، أو قصة، أو لفت انتباه باستفهام، أو إشارة، أو استخدام الأجهزة كالحاسب، أو «البروجكتر» أو الصحف، أو ما جد أو يجد من الوسائل ليصل إلى أهدافه المرجوة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سبق تخريجه

(2) أخرجه مسلم (2: 592 ، رقم 867)

(3) أخرجه البخاري (6: 2437 رقم 6235)

(4) [الأنعام: 153]

(5) أخرجه  البخاري (5: 2359 ، رقم 6054)

(6) [المائدة: 3]

(7) أخرجه البخاري(5: 2359 رقم 6054)

(8) أخرجه أحمد (1: 316 ، رقم 2903)