بحث عن بحث

القاعدة العاشرة: الاهتمام الخاص بالمرأة (2-3)

مكانة المرأة في الهدي النبوي:

ويمكن بيان مكانة المرأة الحقيقية في حياته عليه الصلاة والسلام من خلال إرسائه لبعض الدعائم التي كانت ترجمة واقعية في حياته اليومية، وحديثًا يردده على الملأ في بيته مع أزواجه، وفي المجتمع على الصحابة رضوان الله عليهم، ومن أهم هذه الدعائم:

1- الحب:

لقد أرسى الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام هذه الدعامة منذ اللحظة الأولى في حياته الاجتماعية، فقال عليه الصلاة والسلام: «حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة»(1). وكانت حياته ترجمة لهذا المقال، فقد تزوج خديجة رضي الله عنها وكانت من أحب الناس إليه، حيث وقفت إلى جانبه تسانده في الدعوة إلى آخر حياتها، وبقي هذا الحب قائمًا يعيشه كل يوم حتى لحق بالرفيق الأعلى، حيث كان يذكرها بخير دائمًا، ويذكر أفضالها، وكان يوقر صاحباتها، برًا بها ك، قال «بشروا خديجة ببيت من الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب»(2).

ثم كان هذا الحب لزوجاته عليه الصلاة والسلام، وكان سلوكه اليومي معهن مضرب مثل للحب الصادق الذي لا بد أن ينبت في كل أسرة، بين الأزواج وبين الأبناء، فها هو عليه الصلاة والسلام يؤاكل الحائض منهن ويشرب من سؤرها وينتفع بفضلها، تقول عائشة رضي الله عنها: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرق العرْق(3)وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ، فيضع فاه على موضع فيَّ"(4).

إن هذا الحب من رسول الأمة ﷺ لزوجاته رضي الله عنهن، يجلي الغبش والغمام لأولئك العميان من البشر الذين يريدون إخفاء الحقائق، وتشويه الصورة التي عليها المرأة في الإسلام وفي حياة الرسول ﷺ.

2- العدل:

وهذه الدعامة كانت مفقودة في الجاهلية فجاء بها رسول الله ﷺ، وأزال بها تلك الظلمة التي كانت تعانيها المرأة من الرجل، فلم يكن لها المطالبة بحقها مع مثيلاتها من نساء أزواجهن في البيت، وجعل الرسول ﷺ العدل بين زوجاته في المسكن والملبس والمأكل والمشرب، وكان حريصًا على ذلك، لأن الإخلال بالعدل يعد من مآثر الجاهلية، وتصديقًا لذلك تقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه«(5).

ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان للنبي ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف النبي ﷺ يده«(6).

3- النفقة:

إن القارئ لسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأحاديثه، يجد إقرار هذا المبدأ واضحًا في أقواله وأفعاله، ويحث الصحابة على ذلك، لأن البيت هو اللبنة الأساسية للمجتمع ومنه ينطلق الحق أو ينطلق الباطل، فلا بد من تأسيسه على أسس متينة وقوية، وذلك بالنفقة عليه قدر المستطاع، وبما ينعمه الله تعالى على الرجل من آلائه، فيجد الأهل أثر ذلك النعماء في الإنفاق عليهم دون إسراف أو تبذير، يقول عليه الصلاة والسلام: «أفضل دينار: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله«(7).

وكانت وصاياه للصحابة الكرام لا تخلو من حثهم على هذا المبدأ المهم في الحياة، ويتطرق إلى بعض الأمور التي يراها البعض صغيرة وغير مألوفة، ولا يلتفتون إليها، كوضع الطعام في فم الزوجة، والذي فيها الأجر والمثوبة، جاء ذلك في وصيته لأحد الصحابة: «وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك«(8).

وهذا تكريم للمرأة وتعظيم لشأنها، من الرسول عليه الصلاة والسلام، وتعويض لها عما عانته من الحرمان والظلم قبل مجيء هذا الرسول الذي قال عنه ربه عز وجل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}(9).

4- الملاطفة:

وهذه الدعامة مهمة بين الزوجين، وبها تزول الغموم والهموم، وتتصفى القلوب والأنفس، وهي من الأمور التي جبلت المرأة على حبها، لأنها أكثر عاطفة وأرهف حسًا من الرجل، لذلك كان الرسول الأمين لطيفًا مع أهله، يلاعبهم ويمازحهم، ويتسابق معهم، تقول عائشة رضي الله عنها: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا ثم قال: «تعالي حتى أسابقك» فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم، وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس «تقدموا» ثم قال: «تعالي أسابقك» فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتلك»(10).

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: «تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ، فلقيت النبي ﷺ فقال: يا جابر! تزوجت؟ قلت: نعم. قال: بكرٌ أم ثيّب؟ قلت: ثيب، قال: فهلا بكرًا تلاعبها؟»(11).

ليس هذا فحسب، بل ربط الرسول ﷺ لطف المؤمن في بيته مع أهله بالإيمان قوة وضعفًا، وجعل ذلك من الصفات الحسنة التي يتعبد بها الله سبحانه وتعالى، فقال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله»(12).

ولا يخفى على الإنسان ما لهذا السلوك الخلقي الرفيع مع المرأة من أثر طيب في حياة الأسر والمجتمعات، وأنه يدل على ما تميزت به المرأة من مكانة عالية عند رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.

5- طاعة الله:

إن العلاقة الإنسانية التي أرسى دعائمها الرسول ﷺ بين الرجل والمرأة في أمور الدنيا تبقى ناقصة وغير متينة، إذا خلت من ذكر الله وعبادته، لأن العبادة هي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، فارتبط وجوده بقيام هذه الفريضة على الأرض، وإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد جعل قوة هذه العلاقة في طاعة الله، لذلك كان ﷺ القدوة للأزواج في ذلك، امتثالاً لأمر ربه عز وجل حيث قال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}(13).

وقال أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(14).

وكان عليه الصلاة والسلام مثالاً عمليًا في حياته مع أهله على طاعة الله وعبادته، حيث كان يأمرهم بأداء الفرائض كلها، ويحثهم على النوافل والقيام كقيام الليل وغيرها، ويعلمهم أمور دينهم الصغيرة والكبيرة، حتى لا يذر للشيطان فرجة يدخل منها إلى حياته مع زوجاته، وذلك هو الحصن المتين الذي به تتماسك الأسر وتستقيم، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت«(15).

وكان التسابق إلى الخير من أولويات بيت النبوة، فجميع أهل البيت يتنافسون في الطاعات والصلوات، ويحث بعضهم بعضًا على ذلك، ليعم الأجر والثواب للجميع، ويذكر النبي ﷺ الأمة بمدى أهمية قيام ذكر الله بين الزوجين في البيت حين قال: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء«(16).

وهذا تكريم للمرأة، حيث تشارك الزوج في العبادة وتنافسه فيها، لتنال الأجر من ربها، وتفوز برضوانه وجناته، بعكس ما كانت تعتقده الجاهلية من أن المرأة لا تكليف عليها لأنها فاقد للأهلية الدينية.

6- الرفق:

كان عليه الصلاة والسلام يمارس الرفق مع نسائه، لا سيما في اللحظات الحرجة التي يتوقع الإنسان أثناءها غير ذلك، فعلى سبيل المثال ما يرويه أنس ط: كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحْفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصِّحْفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: «غارت أمكم»(17).

وقد يمارس عليه الصلاة والسلام الرفق مع بعض نسائه برؤية دعوية أحيانًا، بحيث يكون هذا الخُلق جبّلة فيها ومنطلقًا لها لنجاح مسيرة الدعوة، ويشهد على ذلك الموقف الذي ترويه عائشة رضي الله عنها وما حدث فيه من تحقيق عملي لمبدأ الرفق، تقول رضي الله عنها: استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة بل عليكم السّام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة! إن الله عز وجل يحبّ الرفق في الأمر كله» قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «قد قلتُ: وعليكم»(18). وفي رواية أخرى قال عليه الصلاة والسلام: «مه، يا عائشة! فإن الله لا يحبّ الفُحش والتفحُّش«(19).

حيث يعلّم عليه الصلاة والسلام عائشة رضي الله عنها، أن الله تعالى يحب الرفق في كل شيء وكذلك فإنه جلّ ثناؤه لا يحب القول الفاحش وإن كان ردّ فعل بما بدأ به الآخر، بل الأفضل في مثل هذا الموقف أن يملك المؤمن نفسه، وينطق بأحسن الحديث وأجمل الكلمات، حتى يشعر الخصم بعظم الإسلام وتعاليمه، ويحس بخطئه وسوء سلوكه، وربما يكون ذلك مدخلاً له إلى الهداية والإسلام.

فهذا الرفق في السلوك من الرسول ﷺ مع نسائه في المواقف المختلفة، دليل على مدى اهتمامه عليه الصلاة والسلام بالمرأة ورعايته لها، والمكانة الرفيعة التي تمتعت بها المرأة في ظل الهدي النبوي والسنة المطهرة.

7- الرحمة:

لقد أرسل الله تعالى النبي رحمة للناس جميعًا، إنسهم وجنّهم، صغيرهم وكبيرهم، رجالهم ونساؤهم، لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(20).

أما بالنسبة إلى رحمته بالنساء، فقد ضرب عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في الرحمة والشفقة عليهم، فلم يقسو على أهل بيته، ولم يُسمعهم كلامًا فاحشًا أو جارحًا، ولم يتعامل بأي سبب أو وسيلة تحط من شأن المرأة، فقد كان خير الناس لأهل بيته كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

بل إنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ببعض الأعمال في البيت ليخفف عن أهل بيته، رحمة بهم، تقول عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ: «كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم«(21).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه النسائي،(7: 61 رقم  3939)

(2) أخرجه البخاري( 9: 396 رقم 3819)

(3) أتعرّق العرْق: أي آخذ ما على العظم من اللحم. 

(4) أخرجه مسلم (1: 168 رقم 718).

(5) أخرجه البخاري (7: 21 رقم 2688)

(6) أخرجه مسلم (4: 137 رقم 37910)

(7) أخرجه مسلم (3: 78 رقم 2357)

(8) أخرجه البخاري (3: 238 رقم 1295)

(9) [التوبة: 128]

(10) أخرجه أحمد (43: 313 رقم 26277)

(11) أخرجه البخاري ( 2: 739 رقم 1991)

(12) أخرجه أبو داود (2: 632 رقم 4682)

(13) [طه: 132]

(14) [التحريم: 6]

(15) أخرجه البخاري (1: 522 رقم 512)

(16) أخرجه أبو داود (1: 504 رقم 1310)

(17) أخرجه البخاري (5: 2003 رقم 4927)

(18) أخرجه البخاري (15: 215 رقم 6024)

(19) أخرجه مسلم (7: 5 رقم 5787)

(20) [الأنبياء: 107]

(21) أخرجه أحمد (41 : 390 رقم 24903)