بحث عن بحث

القاعدة الحادية عشرة: الرفق واللين (2-2)

ولعله من المفيد التطرق إلى بعض الجوانب التي تستدعي التريث وتملك النفس والتصرف بالرفق واللين، ومنها:

1-   الجانب الأسري:

لا يخلو بيت إلا وتحدث فيه بعض المشكلات والمشادات، لأسباب كثيرة ترجع بعضها إلى نمط التفكير لكل من الزوج والزوجة، أو لسوء خُلق من أحدهما وعدم تحمّله الآخر، وغير ذلك من الأسباب، والتي تولّد في أكثر بعض الانفعالات النفسية والخروج عن الحالة الطبيعية، وبالتالي اللجوء إلى تصرفات غير سليمة، كضرب الزوجة أو شتمها أو طلاقها، ولكل ذلك آثار سلبية على استقرار الأسرة ومصير الأبناء والبنات، لذا كان التحلي بالرفق واللين عاملاً مهمًا في حدوث الغضب أصلاً، فضلاً عن أنه يعالجه ويحدّ من آثاره السلبية إذا بدا من أحد الزوجين، وصدق النبي ﷺ القائل: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه«(1).

وهذا يعطي رسالة لكل بيت، أن ينتهج المربون فيه هذا الأسلوب العظيم ويغلبوه، ويكون هو الأصل في تعاملهم، حتى يتربى الأبناء والبنات، فيتخرجوا فيه أسوياء، وأقوياء، ورحماء، ومنتجين، وعاملين صالحين.

 

2-  الجانب التعليمي:

وتُعدّ المؤسسات التعليمية ميادين مهمة للتحلي بخُلق الرفق والابتعاد عن الغضب وأسبابه، كالجامعات والمدارس والمساجد ودور تحفيظ القرآن وغيرها، لأن قدرات الطلاب تختلف من طالب إلى آخر، وكذلك نمط التربية لكل منهم يتباين عن الآخر، فبعضهم يحتاج إلى مزيد من الجهد والصبر لوصول المعلومة إليه، وبعضهم الآخر يحتاج وقت طويل لتقويم سلوكه وأخلاقه وهكذا، وهذه الأحوال تتطلب المصابرة وتمالك النفس وعدم الخروج عن إطار الحكمة، مثلما كان يفعله النبي ﷺ، فقد جاء في الصحيح، أن أعرابيًا جاء إلى النبي الله ﷺ فقال: «علّمني كلامًا أقوله». قال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم». قال: «فهؤلاء لربي، فمالي»؟. قال: «قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني»(2).

فلم ينفعل النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال الإعرابي حين قال: «فهؤلاء لربي فما لي»، بل صبر عليه وعلّمه برفق وهدوء، والحوادث التعليمية أكثر من أن تحصر، كلها يتجلى فيها الرفق واللين، وبهذا يعطى رسالة عظيمة للمعلمين والمؤسسات التعليمية ذكورًا وإناثًا بأن يكون الأصل عندهم في التعامل هو الرفق واللين، وتجنب سوء الظن والعنف، حتى تحقق العملية التعليمية والتربوية أهدافها المرجوة منها.

 

3-  الجانب الدعوي:

أما في الميدان الدعوي والذي يجتمع فيه الدعاة وأهل العلم مع طبقات المجتمع المختلفة، من الصغار والكبار، والرجال والنساء، والمتعلمين والجاهلين، ويعاينون أحوالهم ويستمعون إلى مشكلاتهم وتطلعاتهم، ثم يقومون بدعوتهم إلى تعاليم الإسلام في العقيدة والعبادة والأخلاق والسلوك، فلا يسلم الداعية أو المربّي في تلك الأجواء أحيانًا من التعرض لأسباب الغضب والعوامل المثيرة له.

وقد تعرّض النبي ﷺ في حياته الدعوية لكثير من المواقف المؤلمة والمثيرة للغضب، إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يصبر عليها ويرفق أحيانًا بأصحابها، ويعاملهم بخُلق الرفق واللين، ويزيدهم من المال والعطاء، فقد جاء في الصحيح، أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ، فأخذ ببرده وجذبه حتى أثرت حاشية البرد في عنقه، وقال: يا محمد ! أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك ولا مال أمك، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: «يرحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»(3).

فلم يغضب عليه الصلاة والسلام لهذا التصرف المثير للنفس إلى الغضب والانفعال، بل تريث عليه الصلاة والسلام وترفّق بهذا الأعرابي وأعطاه ما جاء من أجله.

وفي حديث آخر يقول أنس رضي الله عنه قال: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثّرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»(4).

ومن هنا على الدعاة والموجّهين والمرشدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يقتدوا بالنبي ﷺ في جعل «اللين والرفق» مَعْلمًا من أكبر معالم الدعوة مع جميع أصناف المجتمع، ومع جميع الأحوال لكي تؤتي الدعوة ثمارها.

    

علاج الغضب:

وحيث أن ضد اللينِ العنفُ والشدة والقسوة، وهذه تورث الغضب، ومن هنا يجب التوجه إلى علاجه، فناسب أن نشير إلى بعض ما أشار إليه النبي ﷺ من بعض الوسائل والآليات للحدّ من حالات الغضب وأسبابه، ومنها:

1-  الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، لقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(5).

وجاء في الصحيح أنه: استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل وهل ترى بي من جنون«(6).

2-   الوضوء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ«(7).

3-  الالتصاق بالأرض، لقوله ﷺ: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض«(8).

4-تغيير وضعية الغاضب أثناء غضبه، إن كان واقفًا يجلس أو يضطجع، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع«(9).

5-كظم الغيظ أثناء الغضب، لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(10).

وقوله ﷺ: «من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره أي الحور شاء»(11).

6-السكوت وضبط اللسان عن الكلام أثناء الغضب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «علِّموا ويسِّروا ولا تعسّروا وإذا غضب أحدكم فليسكت» قالها ثلاثًا(12).

    

ونستخلص مما سبق، أن على المربي أن يجتهد في عمل البرامج المبنية على اللين والرفق، وأن يكون هذا معلمًا من أهم معالم حياة المربي والداعية، فيُعرف به كما عرف به النبي ﷺ، وأن يعمل الوسائل الواقية من ضده، وهو العنف والقسوة، وهذا لا يمانع الحزم في موضعه، وعند حدوث ما يستدعي الغضب عليه أن يتقيه بقدر ما يستطيع، لكي تؤدي العملية التربوية ما يرجى من الآثار المحمودة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه مسلم (4: 2004 رقم 2594)

(2) أخرجه مسلم (8: 70 رقم 7024)

(3) أخرجه البخاري. (8: 173 رقم 3150)

(4) متفق عليه، واللفظ للبخاري (8: 172 رقم 3149)، ومسلم (3: 103 رقم 2476).

(5) [الأعراف: 200]

(6) أخرجه البخاري (3: 1195 رقم 3108)

(7) أخرجه أبو داود (4: 396 رقم 4768)

(8) أخرجه أحمد (17: 228 رقم 11143)

(9) أخرجه أبو داود (4: 395 رقم 4784)

(10) [آل عمران: 134]

(11) أخرجه أبو داود4: 394 رقم 4797)

(12) أخرجه أحمد (4: 39 رقم 2136)