بحث عن بحث

القاعدة الخامسة عشرة: الــدعاء (2-4)

رابعًا: صور من أدعية النبي ﷺ:

لم ينقطع النبي ﷺ عن الدعاء أبدًا، فكان ديدنه في جميع الظروف والأحوال، في السرّاء والضرّاء، وفي الصحة والمرض، وكان يعلّم أهل بيته والصحابة رضوان الله عليهم جميعًا الأدعية في المجالات المختلفة ويحثهم عليها، وفيما يلي صور من تلك الأدعية:

1 – دعاؤه عليه الصلاة والسلام الذي يشمل خيري الدنيا والآخرة، كما في حديث أنس رضي الله عنه حيث قال: أكثر ما سمعت النبي ﷺ يدعو: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»(1).

2 – دعاؤه عليه الصلاة والسلام عند لقاء الأعداء، كما حدث في يوم بدر، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادًا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كذلك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}(2) فأمده الله بالملائكة»(3).

4 – دعاؤه عليه الصلاة والسلام قبل النوم، كما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي ﷺ أوصى رجلا فقال: «إذا أردت مضجعك فقل اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة»(4).

5 – دعاؤه عليه الصلاة والسلام في الاستخارة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به.قال ويسمي حاجته»(5).

6 – دعاؤه عليه الصلاة والسلام عند الخروج من البيت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ من قال: «يعني إذا خرج من بيته، بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال له كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان»(6).

وغير ذلك من الأدعية الكثيرة التي وردت عن النبي ﷺ، في حياته الدعوية والتربوية.

ويجب على الدعاة والمربين أن يكون الدعاء ديدنهم، في حلهم وترحالهم، داخل حقول التربية والدعوة وخارجها، اقتداء بالنبي ﷺ، حتى يكلل الله تعالى الجهود بالنجاح ويحقق الأهداف والغايات المنشودة.

 

خامسًا: شروط استجابة الدعاء:

للدعاء شروط لا بد من توفرها حتى تتحقق الإجابة، ومن أهمها:

1- إخلاص الدعاء لله وحده دون غيره من الشركاء، لقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}(7). وقوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(8).

وفي وصيته عليه الصلاة والسلام لابن عباس رضي الله عنه: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله»(9).

2 - اليقين بإجابة الدعاء: ويدخل هذا في باب حسن الظن بالله تعالى في استجابته لدعاء عبده، وقدرته على تحقيق ما يسأله هذا العبد من الرحمة والمغفرة، ومن كشف الضر وتخفيف المصيبة وبسط الرزق وإغداق النعم وغيرها، لأن الله تعالى تعهد بذلك لعباده فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(10).

فلا ينبغي للعبد أن يدعو وهو يشك في الاستجابة لأن ذلك ينافي مضمون هذه الآية الكريمة.

3 - حضور القلب أثناء الدعاء: ينبغي أن يكون العبد الداعي، حاضر القلب أثناء الدعاء، يعلم ما يقول، بحيث يتوافق قلبه ويتفاعل مع ما يتضرع به إلى الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ»(11).

4 - إطابة المال: لقوله عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(12). وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}(13). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا ربّ يا ربّ ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك»(14).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (4: 1644 رقم 4250)

(2) [الأنفال: 9]

(3) أخرجه مسلم (3: 1383 رقم 1763)

(4) أخرجه البخاري (5: 2326، رقم 5954)

(5) أخرجه البخاري (1: 391 رقم 1109)

(6) أخرجه الترمذي (5: 490 رقم 3426)

(7) [الزمر: 3]

(8) [البقرة: 186]

(9) سبق تخريجه

(10) [غافر: 60]

(11) أخرجه الترمذي (5: 517 رقم 3479)

(12) [المؤمنون: 51]

(13) [البقرة: 172]

(14) أخرجه مسلم (2: 703 رقم 1052)