بحث عن بحث

القاعدة الخامسة عشرة: الــدعاء (3-4)

سادسًا: آداب الدعاء:

للدعاء آداب لا بد من توفرها حين يقبل العبد إلى ربّه ويقف بين يديه ويطلبه سؤله وحوائجه، ومن أهم هذه الآداب ما يلي:

1 – الثناء على الله، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(1).

2 – استقبال القبلة: فقد كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه ويستقبل القبلة ويدعو بعد رمي الجمرات في منى، عن ابن عمر رضي الله عنه «أنه ﷺ كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله»(2).

3 – الاعتراف بالذنب أثناء الدعاء، فهو نوع من الأدب مع الله، إضافة إلى كونه سبب للعفو والمغفرة، كما قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(3).

4 – الخضوع والخشوع أثناء الدعاء، لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(4).

5 – الإلحاح بالدعاء: لحديث ابن مسعود ط الطويل والذي قال فيه: «... وكان إذا دعا دعا ثلاثًا وإذا سأل سأل ثلاثًا»(5).

6 – رفع اليدين: «لقول أنس رضي الله عنه: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه»(6).

7 – التأمين بعد الدعاء: لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا قال أحدكم آمين قالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه»(7).

8 – الدعاء بين الجهر والمخافتة: وذلك بعدم رفع الصوت أو الصراخ، بل يكون الأمر وسطًا بين الحالتين. قالت عائشة رضي الله عنها: « {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ}أنزلت في الدعاء»(8).

9 – تحري الأوقات والأزمان: والتي جاء ذكرها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، مثل جوف الليل، وبين الأذان والإقامة، وأثناء الصلاة وبعدها، وفي ليلة الجمعة، ويوم عرفة، وفي السفر، وغيرها.

    

سابعًا: أخطاء ومحظورات في الدعاء:

هناك كثير من الأخطاء والمحظورات التي يرتكبها بعض الناس عند الدعاء، ومن أهمها:

1 – التوسلات الشركية: وهي الدعاء إلى غير الله تعالى، من الأحجار والأشجار والأموات والأشخاص والصالحين والجن والشياطين وغيرها، فإنه شرك بجميع هذه الأشكال، لأن الرسول ﷺ بيّن أن الدعاء هو العبادة، ففعل هؤلاء يعني توجه العبادة لغير الله، وهو الشرك بحقيقته.

2 - الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو تعجل وقد نهى عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء فقال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء»(9).

3 - الدعاء بتمني الموت، حيث نهى النبي ﷺ عنه بقوله: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي»(10).

4 – الدعاء بما هو مستحيل أو ما هو مخالف للعقل أو بما تعهد الله تعالى بإخفائه في الدنيا: كأن يطلب أحدهم الخلود في الدنيا، أو أن يعمّر ألف سنة، أو يتحول إلى كائن آخر أقوى من البشر، أو يسأل رؤية الله تعالى في الدنيا، وغيرها من الأدعية الممتنعة شرعًا أو عقلاً، فإن ذلك كله خطأ وحرام في بعض الأحيان، لا يجوز الدعاء بها.

5 – الدعاء على الأولاد: وهو من الأخطاء التي تتكرر بين الناس ولا يبالون بها، في لحظات الغضب والانفعال، لا سيما وأن دعاء الوالدين مستجابة، لقوله ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم»(11). فاستجابة الدعوة متوقعة في أية لحظة، وبعدها لا ينفع الندم.

6 – الدعاء الغامض وغير المفهوم: وربما يرافق هذا الدعاء غفلة القلب وتشرد الفكر، فلا يعلم صاحبه ماذا يريد ومَنْ يسأل، وقد يسهو ويقول في حق الله تعالى ما لا يليق به، لذا أمر الله تعالى بحضور القلب ووضوح الكلام أثناء الدعاء فقال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}(12).

8 – تحجير الدعاء: يعني الأنانية في الدعاء، وهي من الأخطاء المنهي عنها في الدعاء، كأن يقول أحدهم: اللهم اهدني وحدي، أو اشفني وحدي. وهذا غير جائز لأن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء فلا يمكن تحجيرها على شخص دون آخر، يقول تبارك وتعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}(13).

وجاء في الصحيح أن أعرابيًا قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له عليه الصلاة والسلام: «لقد حجّرتَ واسعًا»(14).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الأعراف: 180]

(2) أخرجه البخاري (2: 623 رقم 1664)

(3) [القصص: 16]

(4) [الأعراف: 55]

(5) أخرجه مسلم (3: 1418 رقم 1794)

(6) أخرجه مسلم (2: 612 رقم 895)

(7) أخرجه البخاري (1: 271 رقم 748)

(8) أخرجه البخاري (5: 2331 رقم 5968)

(9) أخرجه مسلم (4: 2095 رقم 2735)

(10) أخرجه البخاري (5: 2146 رقم 5347)

(11) أخرجه أبو داود (1: 480 رقم 1536)

(12) [الأعراف: 205]

(13) [ الأعراف: 156]

(14) سبق تخريجه