بحث عن بحث

أهم المصالح المراعاة بها في الشريعة خمسة

 

4.     حفظ المال: إن الإنسان يحتاج إلى المال لكي يستعين به في أمور دينه ودنياه وأخراه، ومن الغرائز الفطرية حب الإنسان للمال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة العاديات: 8]، وقال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [سورة آل عمران: 14]، وقال: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [سورة الفجر: 20]، وقد حثَّ الإسلام على التكسب والحصول على المال، ويؤجر عليه إذا نوى العبد به التعبد لله تعالى، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الجمعة: 10].

وقال النبي ﷺ: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ«(1)

 

ولأهمية المال في حياة الإنسان أحاطه الشرع بسياج من الحماية، فحرم التعرض للأموال بسوء بالسرقة والنهب والإفساد، كما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَتَدْرُونَ فِي أَيِّ شَهْرٍ أَنْتُمْ؟ وَفِي أَيِّ يَوْمٍ أَنْتُمْ؟ وَفِي أَيِّ بَلَدٍ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: فِي يَوْمٍ حَرَامٍ، وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَبَلَدٍ حَرَامٍ. قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، أَلَا! لَا تَظْلِمُوا، أَلَا! لَا تَظْلِمُوا، أَلَا! لَا تَظْلِمُوا، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ(2)

 

ونهى عن الإسراف، وذمَّ المسرفين، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء: 26-27].

ومن أوصاف عباد الرحمن أنهم لا يسرفون ولا يقترون؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان: 67].

ونفى عنه الإيمان في حال السرقة والنهب؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ(3)

وأوجب حد السرقة على السارق، فقال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة: 38].

 

وشرع لصاحب المال الدفاع عن ماله، وإن قتل في سبيله فهو شهيد، كما جاء في الحديث عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ(4)

وإن قتل الجانيَ فليس عليه دية ولا قصاص؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّٰـهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ(5)

وقال الحافظ ابن حجر في شرح حديث: «من قتل دون ماله فهو شهيد»: قَالَ ابن بَطَّال: إِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ لِيُبَيِّن أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَاله وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي ذَلِكَ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ إِذَا كَانَ هُوَ الْقَاتِل(6)

 

وقال النووي: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّهِيد ثَلَاثَة أَقْسَام؛ أَحَدهَا: المَقْتُول فِي حَرْب بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَاب الْقِتَال، فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي ثَوَاب الْآخِرَة وَفِي أَحْكَام الدُّنْيَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: شَهِيد فِي الثَّوَاب دُون أَحْكَام الدُّنْيَا وَهُوَ المَبْطُون، وَالمَطْعُون، وَصَاحِب الْهَدْم، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ جَاءَت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِتَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا، فَهَذَا يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَهُ فِي الْآخِرَة ثَوَاب الشُّهَدَاء، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون مِثْل ثَوَاب الْأَوَّل. وَالثَّالِث: مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَة وَشِبْهه مَنْ وَرَدَت الْآثَار بِنَفْيِ تَسْمِيَته شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي حَرْب الْكُفَّار فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي الدُّنْيَا فَلَا يُغَسَّل، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ ثَوَابهم الْكَامِل فِي الْآخِرَة. وَالله أَعْلَم.

وَأَمَّا أَحْكَام الْبَاب فَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ المَال بِغَيْرِ حَقّ؛ سَوَاء كَانَ المَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الحَدِيث. وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء... وَأَمَّا قَوْله ﷺ فِي الصَّائِل إِذَا قُتِلَ: هُوَ فِي النَّار فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ. وَقَدْ يُجَازَى، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ بِغَيْرِ تَأْوِيل فَإِنَّهُ يَكْفُر، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. وَالله أَعْلَم(7)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده، برقم: (2074)، ص: 333.

(2) مسند الإمام أحمد، برقم: (20695)، 34/299-301، والحديث صحيح لغيره مقطعا.

(3) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب: النهبى بغير إذن صاحبه، برقم: (2475)، ص: 400.

(4) جامع الترمذي، كتاب الديات، باب: ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، برقم: (1421)،ص: 343-344، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والحديث في الصحيحين باختصار، صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب: من قاتل دون ماله، برقم: (2480)، ص: 401، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق، كان القاصد مهدر الدم ...، برقم: (141)، ص: 72.

(5) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم...، برقم: (140)، ص: 72.

(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني، 5/ 124.

(7) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 2/164.