بحث عن بحث

 

 

تخريج حديث: ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا ....)

 

 

روى الترمذي في جامعه (3479)  والحاكم في مستدركه (1/493)  والطبراني في الكبير (20/37) والطبراني في الأوسط (5109) والبيهقي في الدعوات (315) وغيرهم كلهم من طريق صالح المري عن هشام بن حسان الأزدي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ) . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقال الحاكم : حديث مستقيم الإسناد ، تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد أهل البصرة .

وقال الذهبي معقباً : قلت : صالح متروك .

قلت : وهذا الحديث منكر وعلته صالح بن بشير البصري الزاهد والمعروف بصالح المري ؛ قال المزي في تهذيب الكمال (3 /420 - 421ط الرسالة ) :

قال عباس الدوري عن يحيى بن معين : ليس به بأس .

وقال المفضل بن غسان الغلابي و محمد بن عثمان بن أبى شيبة عن يحيى بن معين : ضعيف .

وقال محمد بن إسحاق الصاغاني و يزيد بن الهيثم عن يحيى بن معين : ليس بشيء .

وقال جعفر بن أبى عثمان الطيالسي عن يحيى بن معين : كان قاصا و كان كل حديثي حدث به عن ثابت باطلا .

وقال عبد الله بن علي بن المديني : سألت أبى عن صالح المرى فضعفه جدا .

وقال محمد بن عثمان بن أبى شيبة عن علي بن المديني : ليس بشيء ، ضعيف ضعيف.

وقال عمرو بن على : ضعيف الحديث ، يحدث بأحاديث مناكير عن قوم ثقات مثل سليمان التيمي و هشام بن حسان و الحسن و الجريري و ثابت و قتادة ، و كان رجلا صالحا ، و كان يهم في الحديث .

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : كان قاصا ، واهي الحديث .

وقال البخاري : منكر الحديث .

وقال أبو عبيد الآجري : قلت لأبى داود : يكتب حديث صالح المري ؟ فقال : لا .

وقال النسائي : ضعيف الحديث ، له أحاديث مناكير . و قال في موضع آخر : متروك الحديث .

وقال الترمذي : صالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها .

فكما ترى أنه لم يرفع من شأنه أحد إلا ما ورد في رواية عن ابن معين إلا أنه قد ورد عنه من أكثر من طريق ما يخالفها ويوافق بقية الأئمة ؛ فقال الذهبي في الميزان (2/289):

وقد روى عباس ، عن يحيى : ليس به بأس ،لكن روى خمسة عن يحيى جرحه .

فلا عبرة بهذه الرواية عن ابن معين .

وقال ابن حبان في المجروحين (1/372) عن صالح المري :

غلب عليه الخير والصلاح حتى غفل عن الإتقان في الحفظ فكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت والحسن وهؤلاء على التوهم فيجعله عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها عن الأثبات واستحق الترك عند الاحتجاج .

وقال ابن عدي في الكامل بعد إخراجه للرواية المرفوعة (5/96) : وصالح أيضا قد يقبل بهشام فيحدث عنه بأحاديث بواطيل وهذه الأحاديث صالح يرويها عن هشام .

وقال ابن القيسراني في تذكرته (1/23) بعد ذكره لفظ حديثنا ، قال:

رواه صالح بن بشير المري عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، وصالح متروك الحديث.

ونقل الإجماع على ضعفه الهيثمي في المجمع (10/350) حيث قال : وفيه صالح المري ، وهو مجمع على ضعفه .

وحكم الألباني بأنه لا يُعتبر بحديثه (السلسلة الضعيفة رقم 295 ) فبعد أن ذكر طريقاً فيها صالح المري قال رحمه الله:

الخلاصة أن هذه الطرق الثلاث شديدة الضعف فلا ينجبر بها ضعف الحديث .

وقال المعلمي رحمه الله تعالى عن صالح المري ( هامش الفوائد المجموعة ص 105) : تالف وقال مرة ( ص229 ) : متروك .

فمن كانت هذه حاله فلا يُقبل منه التفرد فروايته هذه في أعلى أحوالها منكرة.

وقد ذُكر لهذا الحديث شاهد عند الإمام أحمد في المسند : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا بكر بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( القلوب أوعية ، وبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله عز وجل ، أيها الناس ، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل ) .

قلت : شيخ أحمد هو حسن بن موسى الأشيب الثقة البغدادي،وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة الضعيف المعروف. ورواية من روى عنه بعد الاختلاط أشد ضعفاً، وحسن بن موسى ممن روى عنه بعد اختلاطه ، قال ابن كثير في مسند الفاروق (2/649) : قال الإمام علي بن المديني : الحسن بن موسى إنما سمع من ابن لهيعة بآخره .

وإلى جانب ضعفه ففيه علة أخرى وهي: أن الحديث رواه نعيم بن حماد مرسلاً في الزهد : أنا سعيد بن أبي أيوب ، عن بكر بن عمرو ، عن صفوان بن سليم به .

وسعيد بن أبي أيوب واسمه مقلاص الخزاعي وهو ثقة ثبت ، وبكر بن عمرو صدوق وصفوان بن سليم هو المدني الثقة الفقيه الحجة .

وهذه الرواية هي الصواب.

وقد وردت رواية مسندة من طريق أنس ولا تصح ، قال ابن عساكر في معجمه (1/438) :

أخبرنا ضبة بن أحمد بن المفرج بن محمد بن أحمد بن محمد بن يزيد أبو منصور العذري الهذيمي القضاعي الماكسيني الضرير الشروطي بقراءتي عليه بالرحبة قال أبنا أبو طاهر إبراهيم بن محمد بن سلامة بن طوس المعروف بابن المحدثة قراءة عليه ثنا أبو القاسم مكي بن محمد بن أحمد بن علي الدينوري المعري المعروف بالواعظ قدم علينا الموصل أبنا والدي أبو منصور محمد بن أحمد بن ممويه المقرئ نا أبو محمد المسبح بن الحسين بن المسبح ثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن وهب ثنا محمد بن الأسود العمي ثنا يوسف بن عطية عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ...

وهذا لا يصح وآفته يوسف بن عطية الصفار ، قال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو داود : ليس بشيء ، وقال النسائي : متروك وغيرهم من الأئمة كثر قد وضعوا من شأنه حتى نقل الذهبي الإجماع على ضعفه في ميزانه (4/468) . وكل أحاديثه غير محفوظة كما قال ابن عدي .

فالصواب في هذا الحديث أنه مرسل كما مر ، والحمد لله رب العالمين .

وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي برقم (2766) .

 

ملحوظة :

معنى الحديث صحيح وإن لم يصح سنده ؛ فإن حضور قلب الداعي من أسباب قبول الدعاء ، وعموم النصوص تدل على ذلك كقوله تعالى : ( ادعو ربكم تضرعاً وخفية (سورة الأعراف 55). وقوله : ( وادعوه خوفاً وطمعا (سورة الأعراف 56)، فإن الدعاء بتضرع وخفية وخوف وطمع يستلزم حضور قلب الداعي ولا بد ، وهذا ظاهر.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) رواه البخاري ومسلم .

ففي هذا الحديث دعوة العبد إلى أن يحسن الظن بربه في جميع الأحوال ، وبيان أنه جل وعلا عند ظن عبده به ، أي أنه يعامله على حسب ظنه به ، ويفعل به ما يتوقعه منه من خير أو شر ، فكلما كان العبد حسن الظن بالله ، حسن الرجاء فيما عنده ، فإن الله لا يخيب أمله ولا يضيع عمله ، فإذا دعا الله عز وجل ظن أن الله سيجيب دعاءه ، وإذا أذنب وتاب واستغفر ظن أن الله سيقبل توبته ويغفر ذنبه ، وإذا عمل صالحاً ظن أن الله سيقبل عمله ويجازيه عليه أحسن الجزاء ، كل ذلك من إحسان الظن بالله سبحانه وتعالى ، وهكذا يظل العبد متعلقا بجميل الظن بربه ، وحسن الرجاء فيما عنده ، كما قال الأول :

                     وإني لأدعو الله حتى كأنني          أرى بجميل الظن ما الله صانع

وبذلك يكون حسن الظن بالله من مقتضيات التوحيد لأنه مبنيٌ على العلم برحمة الله وإحسانه وقدرته ، فإذا تم العلم بذلك أثمر حسن الظن ، وحسن التوكل عليه .

وقد ذم الله في كتابه طائفة من الناس أساءت الظن به سبحانه ، وجعل سوء ظنهم من أبرز علامات نفاقهم وسوء طويتهم ، فقال عن المنافقين حين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة أحد : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) (سورة آل عمران: 154)، وقال عن المنافقين والمشركين : ( الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ) (سورة الفتح: 6).

وفي الحديث ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه .

فينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنًا بأن الله يقبله ويغفر له ; لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد ، فإن ظن أن الله لا يقبله ، أو أن التوبة لا تنفعه ، فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من كبائر الذنوب , ومن مات على ذلك وُكِل إلى ظنه ، ولذا جاء في بعض طرق الحديث السابق ( فليظن بي ما شاء ) رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح .

ومما ينبغي أن يُعْلم في هذا الباب أن حسن الظن بالله يعنى حسن العمل ، ومن ذلك الدعاء ، ولا يعني أبداً الركون إلى الأماني والاغترار بعفو الله .

ثم بين سبحانه سعة فضله وعظيم كرمه وقربه من عبده ، وأن العبد كلما قرب من ربه جل وعلا ازداد الله منه قرباً ، وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه قريب من عبده فقال : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) سورة البقرة : 186 ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ) رواه مسلم ، وأن عطاء الله وثوابه أكثر من عمل العبد وكدحه ، ولذلك فإنه يعطي العبد أكثر مما فعله من أجله ، فسبحانه ما أعظم كرمه وأجَلَّ إحسانه .

ولذا جاء الأمر بالجزم في الدعاء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة ، فإنّ الله لا مكره له ) متفق عليه .

 والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وله وصحبه أجمعين .

                                                                                

                                                                                  عبد العزيز بن عبد الله العقيل