بحث عن بحث

 

  من أنواع حجية السنة من ( القرآن الكريم )

 

النوع الثالث: ما يدل على وجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم-، وهذا النوع يندرج تحته هذه الصور:

الصور الأولى: إيجاب الله طاعة الرسل ودلالته على الحجية:

1- قال الله تبارك وتعالى:( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)[ سورة النساء /64].

2- وقال تعالى:( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)[ سورة الرعد/7].

3- وقال تعالى:( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)[ سورة الأنعام /48].

 في هذه الآيات وأمثالها يبين الله تعالى فيها أن أسمى الغايات من إرسال الرسل - عليهم السلام - تنحصر في طاعتهم، والانقياد لأوامرهم، والإذعان لما يبلغونه عن ربهم بما أفاض عليهم من علوم ومعارف، وكشف الله لهم الغطاء عنها، فعلموا ما علموه من علم اليقين، حتى إذا ما بلغوا شريعة ربهم لم يخافوا أحدا، ولم يرهبوا في التبليغ عنه طاغياً أو متجبًرا. قال تعالى :( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحد إلا الله)[ سورة الأحزاب / 39].

 فطاعة الرسل - عليهم السلام - هي الغاية من إرسالهم، ولهذا أمر الله بطاعتهم، ولم يستثن من ذلك رسول، بل جعل طاعتهم سنته العامة، قال تعالى:( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله).

وسواء أكانت (من) في الآية صلة زائدة على رأي الزجاج ليتحقق من زيادتها عموم تلك السنة واضطرادها، أم أن عموم القضية استفيد من تنكير (رسول) الواقع في سياق النفي فيفيد العموم والاستغراق كأنه يقول: وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا إلا ليطاع، فاضطراد طاعة الرسل سنة الله من إرسالهم على الرأيين كليهما محقق وثابت، وإن كانت المبالغة في استغراق النفي أتم من جعل ( من) صلة زائدة كما قاله المفسرون وخاصة الإمام الرازي(1)عند تفسيره لقول الله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله).

 فكل رسول أرسل إلى قوم يجب عليهم طاعته، إذ من صد عنهم وخرج عن طاعتهم، أو رغب عن حكمهم كان متمردا ومعاندا لحكمة الله المضطردة، وسنته العامة في إرسالهم، ومعطلاً مهمتهم، وغافلا عن الحكمة من بعثهم للناس.

 ورسولنا سيدنا ( محمد) - صلى الله عليه وسلم- رسول من الرسل: فهو بهذا داخل في مضمون الحكم العام المقرر للرسل عامة، وتنطبق عليه السنة الإلهية المضطردة وهي إيجاب الطاعة والانقياد لجميع أوامره لإرساله للناس، قال تعالى : ( قل ما كنت بدعاً من الرسل)[ سورة الأحقاف /9].

 ورسولنا - صلى الله عليه وسلم- قام الدليل على صدق رسالته.

 قال الشاطبي(1) (( إن العمل بالسنة والاعتماد عليها إنما يدل عليه الكتاب، لأن الدليل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم- المعجزة، وقد حصر - عليه الصلاة والسلام - معجزته في القرآن بقوله: ( وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ) (3)هذا وإن كانت له من المعجزات كثير جدا بعضه يؤمن على مثله البشر، ولكن معجزة القرآن أعظم من ذلك كله)).

 فإذا كانت طاعة الرسل واجبة، بل هي السنة الإلهية العامة التي لا تتخلف عن كل من أرسله من رسله برغم أن شريعتهم كانت خاصة لطائفة، بل إن بعضهم أرسله الله مجددا لشريعة رسول سبق إرساله، وإذا كانت الطاعة مقررة للرسل؛ فإن الطاعة تكون آكد وأشد لزوما للرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي أراد الله أن تكون شريعته عامة للبشرية وجعلها خاتمة الرسالات.

 بل إذا كانت الطاعة واجبة للرسل وفيهم من بعث لأمته، ولم ينزل الله عليه كتابا يقرأ ويتلى ويتعبد به، كنوح - عليه السلام -، فطاعة نوح واجبة، بالحكم العام المضطرد، ولم يستثنه الله تعالى من الطاعة الواجبة لرسله.

 فإذا كان هذا من الثابت المقرر، فما بالنا نرى من يقول: إن طاعة رسولنا سيدنا ( محمد) - صلى الله عليه وسلم- تجب في خصوص ما يبلغه من القرآن الكريم فقط، برغم أن الله تعالى يقول في كتابه الكريم ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع).

 وقد أرسل الله رسلا بدون كتب تتلى، وأثبت لهم الطاعة على أممهم، ففي أي شيء كانوا يطيعونهم، إن لم تكن طاعتهم يريد الله من الأمر بها أن تكون في جميع ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال صدرت نتيجة علمهم، بما أفاض عليهم من علم اليقين، وإنزال الوحي إليهم؛ ليساندهم ويرشدهم، ويأمرهم بما يطلبه الله منهم أن يبلغوه إلى الناس حتى لا يكون للناس على الله حجة؟.

 فهل من متدبر لهذا الهدى الإلهي المستفاد من الحكم العام الذي جعله الله لرسله، وهو إيجاب طاعتهم- وخاصة أن منهم من أرسل، ولم ينزل الله عليه كتابا يقرأ ويتلى ويتعبد بلفظه – حتى يخجل من القول في الآيات القرآنية التي جاءت بالنص على الأمر بطاعة رسولنا بأن الأمر خاص بطاعته فيما نزل عليه من القرآن الكريم.

 لا، بل إنه ليس هذا هو الذي يصح أن يفهم أو يقال في عرف العقلاء، لأن طاعة الرسل حكم عام مضطرد، سواء من أنزل الله عليه منهم كتابا أم لم ينزل، والأمر فيمن أنزل الله عليه منهم كتابا، واضح. ولكن، أية طاعة يمكن أن تتحقق لمن لم ينزل الله عليه كتابا منهم، إذا لم نقل بأن وجوب طاعتهم في كل ما يصدر عنهم سواء أكان كتابا مقروءا أم غير مقروء، لأنهم الصفوة المختارة من خلقه، التي يجب أن تتبع وتطاع، ولا تعصي في كل ما يصدر منها أو يؤثر عنها لاصطفاء الله لهم بشرف التبليغ والرسالة؟.

 فإن قال قائل : إن الشافعية يقولون ما من عام إلا خصص، قلت: إن ما في سورة الشعراء من تعدد الأوامر بطاعة الرسل التي حكاها الله على ألسنتهم (4)، يدفع احتمال التخصيص ويرده، ولهذا فإني لا أجد في نظري آية من الآيات القرآنية الكثيرة التي استدل بها العلماء على حجية السنة، أو أمكن الاستدلال بها- أصرح دلالة على الاعتداد بما يصدر عن الرسول من قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)، بل لا أجد آية لا يستطيع المنكر لحجيتها أن يتأولها أو يدفعها إذا لاحظ فيها أن طاعة الرسل حكم عام أوجبه الله على العباد، سواء منهم من أنزل الله عليه كتابا أم لم ينزل، فإنها من هذا الاعتبار المقرر فيها أعصى – على المنكرين لحجية السنة – في ردها أو تأويلها من غيرها: لأن طاعة الرسل سنة الله العامة التي أوجبها لرسله على عباده بدون استثناء أو تأويل مقبول، وهذا ملحظي. وقد يشترك معي فيه من ينظر في الآية الكريمة النظرة التي أنظرها، إذ أوجه الدلالات عادة تخضع لنظرة الناظر في الدليل، ولا يكون ملحظ شخص فيه حجة على شخص آخر، إذ من الممكن تقرير وجه الدلالة بشكل آخر.

 فيقال: وجه الدلالة من هذه الآيات أن وجهها هو النص الظاهر الدال على وجوب طاعة الرسل عامة. وما ذكرناه من وجوب طاعة الرسل، الذين لم ينزل الله عليهم كتابا، ومع ذلك تجب طاعتهم للحكم العام الذي جعل الطاعة في آية: ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) نصًا ظاهرًا دالاً على وجوب طاعة رسولنا في كل ما يصدر عنه، سواء أكان ما يصدر عنه قرآنا أم غير قرآن، لأن الطاعة الواجبة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم- آكد وأكثر لزوما من الرسل الذين اشترك معهم في وصف الرسالة؛ لتميزه عنهم بالرسالة العامة، والتي ختم الله بها الرسالات.

 وكانت الدلالة من دلالة النصوص الظاهرة لإمكان ورود التأويلات عليها. وهي وإن كانت تأويلات بعيدة إذ قد وجد ما يدفعها إلا أنها لا تصل إلى دلالة النصوص المحكمة المستفادة من الوضع اللغوي، وخاصة لا تحتمل غيره(5).

 وعلى أي وضع كان وجه الدلالة، فالأمر الهام أن نتدبر الحكمة التي من أجلها نوَّع الله تعالى في كتابه الكريم دلالة آياته على وجوب طاعة رسولنا. فكما أثبتها بدلالة المفهوم المستفاد من الأمر بالإيمان بالرسل - كما سبق ذكره -، نجده هنا في هذه الآيات قد نص على وجوب طاعة رسولنا بهذا النص الظاهر في الدلالة.

 ذلك بأن مولانا - تبارك وتعالى - ما ترك في كتابه الكريم مناسبة إلا أرشدنا فيها إلى وجوب طاعة الرسول سيدنا ( محمد) - صلى الله عليه وسلم- تارة بالمفهوم، وتارة بإشارة النص، أو الإيماء، وتارة بالنص الظاهر الذي يقبل التأويل، وسيأتي التنصيص على وجوب طاعته بالنصوص المحكمة، وذلك لاعتنائه بتقرير الاعتداد – في أذهاننا – بجميع ما يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم-. لأن شريعته خاتمة الشرائع، ورسالته عامة للناس كافة.

 بقي أن أقول إتمامًا للفائدة في قوله تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله). أن قوله تعالى ( بإذن الله) إنما جاء للاحتراس عما يظن أن يقال : إن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد، فقيد الله تعالى الطاعة بإذنه، وفي هذا التقييد من الاحتراس ما فيه من الدقة، حتى أنهم قالوا: إنه قيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون من يظنون أن الرسول يطاع لذاته، إذ إن الله - عز وجل - له الطاعة لذاته وحده، وهو إن أمر بطاعة رسول فطاعته تتحقق بإذنه وأمره لا لذات الرسول وشخصه. 

 


(1) تفسير الفخر الرازي ( 3/258).

(2) الموافقات ( 3/42).

(3) جزء من حديث أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، رقم ( 4981).

(4) انظر : الآيات رقم ( 108، 126، 144، 163، 179) من سورة الشعراء.

(5) انظر : السنة النبوية ومكانتها في التشريع ص41-45.