بحث عن بحث

حديث : ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )

 

قال الإمام البخاري في (كتاب التفسير) من صحيحه:

حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا حبان حدثنا همام حدثنا ثابت حدثنا أنس قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

المبحث الأول: التخريج:

أورد البخاري ـ رحمه الله ـ هذا الحديث في ثلاثة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب قوله تعالى: ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )، والثاني في (باب مناقب المهاجرين وفضلهم) في (كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) ولفظه: حدثنا محمد بن سنان حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ((قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ))، والثالث في (باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة) ولفظه: حدثنا موسى  بن إسماعيل حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم فقلت: يا نبي الله لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما)).

وأخرج الحديث مسلم في صحيحه، وهو أول حديث عنده في (كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عنهم)، فقال: حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال عبد الله: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حبان بن هلال حدثنا همام حدثنا ثابت حدثنا أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال: ((نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: ((قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الغار ـ وقال مرة: ونحن في الغار ـ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال: فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

ورواه الترمذي في التفسير من جامعه عن زياد بن أيوب البغدادي عن عفان بمثل سنده ومتنه في مسند الإمام أحمد. وقال هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما يعرف من حديث همام تفرد به، وقد روى هذا الحديث حبان بن هلال وغير واحد عن همام نحو هذا.

وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): تنبيه: اشتهر أن حديث الباب تفرد به همام عن ثابت، وممن صرّح بذلك الترمذي والبزار، وقد أخرجه ابن شاهين في (الأفراد) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بمتابعة همام، وقد قدمت له شاهداً من حديث حبشي بن جنادة ـ يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن عساكر عنه ـ ووجدت له آخر عن ابن عباس أخرجه الحاكم في (الإكليل). انتهى.

وقال الشوكاني في تفسيره: وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر عن حبشي بن جنادة قال: قال أبو بكر: ((يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا)).

 

المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ البخاري عبد الله بن محمد: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان، أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، وإنما عرف به لأنه كان وقت الطلب يتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل. سمع سفيان بن عيينة، ويحيى بن آدم، وحرمي بن عمارة، وأناساً آخرين سماهم، وقال: وروى عنه البخاري في مواضع. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): وقال أبو حاتم صدوق. وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال: كان متقناً. وقال أحمد بن سيار: من المعروفين بالعدالة والصدق، صاحب سنة، عرف بالإتقان والضبط، وقد رأيته بواسط حسن القامة، أبيض الرأس واللحية، ورجع إلى بخارى ومات بها. وقال: قال الحاكم: سمى المسندي لأنه أول من جمع مسند الصحابة بما وراء النهر، وإمام الحديث في عصره هناك بلا مدافعة. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. قال في (تقريب التهذيب): أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي ـ بفتح النون ـ ثقة، حافظ، جمع المسند، من العاشرة، مات سنة تسع وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري والترمذي.

الثاني: حبان ـ بفتح الحاء ـ: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): حبان بن هلال الباهلي، ويقال: الكناني البصري، يكنى أبا حبيب. سمع همام بن يحيى عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، ثم ذكر جماعة سمع منهم عند البخاري، وجماعة سمع منهم عند مسلم، ثم قال: روى عنه أحمد، والدارمي عندهما، وعبد الله المسندي، ويحيى بن محمد بن السكن، وعليّ بن مسلم عند البخاري.

وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): وقال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. ونقل توثيقه عن ابن معين، والترمذي، والنسائي، وابن سعد، والعجلي، والبزار، والخطيب. وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، ثبت، من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومائتين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

الثالث: همام: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي المحلمي مولاهم، أبو عبد الله ويقال: أبو بكر البصري، روى عن عطاء بن أبي رباح، واسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وثابت البناني، وجماعة آخرين سماهم، ثم قال: وعنه الثوري وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن علية، ووكيع، وابن مهدي، وحبان بن هلال، ويزيد بن هارون، وأناس آخرون سماهم. ونقل توثيقه عن أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، والعجلي، والحاكم. وقال الحافظ في (تقريب التهذيب): ثقة ربما وهم، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

وقال في مقدمة الفتح: همام بن يحيى البصري أحد الأثبات. وقال أيضاً: تكلم في بعض حديثه من حفظه. وقال الذهبي في (الميزان): أحد علماء البصرة وثقاتها.

الرابع والخامس: ثابت البناني وأنس بن مالك رضي الله عنه: وقد تقدم التعريف بهما في إسناد الحديث السادس.

السادس: أبو بكر رضي الله عنه: وهو أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، اسمه عبد الله واسم أبيه عثمان. قال الحافظ في (تقريب التهذيب): عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو بكر بن أبي قحافة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.

وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى مائة واثنين وأربعين حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث. وعنه ولداه عبد الرحمن وعائشة، وعمر، وعليّ وخلق. وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن له عند البخاري اثنين وعشرين حديثاً. وقال الحافظ في (الإصابة): ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أسلم أبوه، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر جماعة ممن رووا عنه من الصحابة وكبار التابعين وقال: قال سعيد بن منصور: حدثني صالح بن موسى حدثنا معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: ((اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق)). وقال الحافظ أيضاً: وقال ابن إسحاق في (السيرة الكبرى): ((كان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير وشر، وكان تاجراً ذا خلق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف))، وذكر شيئاً من محاسنه وبذله المال في سبيل الله وإعتاق العبيد، ثم قال: وأخرج الدار قطني في الأفراد من طريق أبي إسحاق عن أبي يحيى قال: ((لا أحصي كم سمعت عليّاً يقول على المنبر: إن الله عزوجل سمى أبا بكر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم صديقاً))، ومناقب أبي بكر رضي الله عنه كثيرة جداً، وقد أفرده جماعة بالتصنيف، وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه قوله الله تعالى: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، وقال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وهما في الغار: ((ما ظنك باثنين، الله ثالثهما)). والأحاديث في كونه معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره. وقال: وقد أطنب أبو القاسم بن عساكر في ترجمة الصديق، حتى أن ترجمته في تاريخه على كبره تجيء قدر ثمن عشره وهو مجلد من ثمانين مجلداً.

وقال في (فتح الباري) في أوائل (كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) بعد أن ذكر أنه كان يسمى عتيقاً: واختلف هل هو اسم له أصلي أو قيل له ذلك لأنه ليس في نسبه ما يعاب به، أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لحسنه أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولد استقبلت البيت وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت، أو لأن النبي  صلى الله عليه وسلم بشره بأن الله أعتقه من النار، وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار وصححه ابن حبان وزاد فيه: وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان، وعثمان اسم أبي قحافة لم يختلف في ذلك كما لم يختلف في كنية الصديق، ولقب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء. وروى الطبراني من حديث عليّ أنه كان يحلف بأن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، رجاله ثقات.

وأما نسبه فهو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب وعدد آبائهما إلى مرة سواء، وأم أبي بكر سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده.

وقال ابن كثير في (البداية والنهاية): وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه، وسيرته، وأيامه، وما روى من الأحاديث، وما روي عنه من الأحكام  في مجلد، ولله الحمد والمنة.

 

المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

 (1) رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة ما عدا شيخ البخاري فإنه لم يرو عنه مع البخاري سوى الترمذي.

 (2) الإسناد مسلسل بصيغة من صيغ الأداء وهي صيغة التحديث، وقد قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها فهو من الحالات المسلسل.

 (3) أربعة من رجال الإسناد بصريون على نسق، وهم حبان وهمام وثابت وأنس.

 (4) في الإسناد صحابيان، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.

 (5) عبد الله بن محمد شيخ البخاري وقد أكثر من الرواية عنه، وجده اليمان الجعفي البخاري، هو الذي أسلم على يديه جد الإمام البخاري المغيرة بن بردزبه ونسب إلى الجعفيين لذلك، فجد البخاري المغيرة استفاد من جد عبد الله بن محمد الدلالة على الدخول في الإسلام، والبخاري استفاد من عبد الله بن محمد شيخه معرفة الأحاديث الصحيحة المسندة إلى خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

 (6) عبد الله بن محمد شيخ البخاري يقال له: المسندي ـ بفتح النون ـ وفي أصل هذه النسبة لطيفة من اللطائف وهي: أنه كان وقت الطلب معنياً بالأحاديث المسندة دون المرسلة والمنقطعة، فقيل له المسندي لذلك.

 (7) قال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن محمد هو الجعفي، وفي شيوخه عبد الله بن محمد جماعة منهم: أبو بكر بن أبي شيبة، ولكن حيث يطلق ذلك فالمراد به الجعفي لاختصاصه به وإكثاره عنه. انتهى. وهذا النوع يسمى في علم المصطلح (المهمل)، وهذه الطريقة التي ذكرها الحافظ ـ رحمه الله ـ مما يتبين به المراد.

 (8) حبان ـ بفتح الحاء ـ وهو ابن هلال، وقد نسب في الإسناد عند مسلم ولا لبس في عدم نسبته، إذ ليس في رجال البخاري حبان بفتح الحاء غيره، ولا يلتبس بحبان بكسر الحاء أيضاً، وهو ابن موسى، لأنه لم يدرك هماماً كما أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح.

 (9) همام: هو ابن يحيى، ولا لبس في عدم نسبته لأن ما في رجال البخاري ممن يسمى هماماً سواه اثنان: همام بن الحارث وهمام بن منبه وليسا في طبقته.

 (10) ثابت: هو ابن أسلم البناني، وقد روى عن أنس غيره من التابعين ممن يسمى ثابتاً، إلاّ أن البناني أخص به إذ هما معاً بصريان وقد صحبه أربعين سنة كما في (تهذيب التهذيب).

 (11) أنس: هو ابن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من الصحابة ممن يسمى أنساً سواه، وقد نسب في الإسناد عند مسلم كما تقدم في التخريج.

(12) روى البخاري هذا الحديث في التفسير نازلاً إذ بينه وبين همام واسطتان: المسندي وحبان، أما الموضعان الآخران المذكوران في التخريج فالإسناد فيهما عال، إذ ليس بينه وبين همام فيهما إلا واسطة واحدة، ولعل الغرض من ذلك الإشارة إلى تعدد الطرق إلى همام، وأمر آخر وهو أن الثلاثة الذين رووا الحديث عن همام وهم: حبان بن هلال، ومحمد بن سنان، وموسى بن إسماعيل، بصريون، وحبان أشدهم تثبتاً. قال فيه الإمام أحمد كما في (تهذيب التهذيب): إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. انتهى. وقد روى الحديث عنه عبد الله بن محمد المسندي شيخ البخاري، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: وهو من نبلاء مشايخه وإن كان قد لقي من هو أعلى إسناداً منه.

(13) صحابي الحديث هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وقد اشتهر بكنيته كما اشتهر أبوه بالكنية، فهو يعرف بأبي بكر بن أبي قحافة، واسمه عبد الله، واسم أبيه عثمان، وقد أسلم أبواه وأولاده رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان.

المبحث الرابع: شرح الحديث:

(1) قول أبي بكر رضي الله عنه: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار): هو غار في جبل ثور، وذلك حين هاجرا من مكة إلى المدينة، وقد نوه الله بذلك في كتابه العزيز فقال: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )، وقد ورد ذكر ذلك في عدة أحاديث غير هذا الحديث منها: حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري في (باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة) وفيه قالت: ((فلحق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال))، ومنها حديث أبي سعيد في قصة بعث أبي بكر إلى الحج، أخرجه ابن حبان وفيه: ((أنت أخي وصاحبي في الغار)). ومنها حديث ابن عباس في قصته مع ابن الزبير أخرجه البخاري في التفسير، وفيه قول ابن عباس يعني ابن الزبير: وأما جده فصاحب الغار، يريد أبا بكر رضي الله عنه. ومنها حديث ابن عباس أيضاً أخرجه أحمد والحاكم من طريق عمرو بن ميمون عنه قال: ((كان المشركون يرمون عليّاً وهم يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله، فقال له عليّ: إنه انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار))، وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار)) الحديث، ورجاله ثقات كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وقد ذكر جميع هذه الأحاديث فيه. وقال في ترجمته في (الإصابة): والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يشركه في هذه المنقبة غيره.

(2) قوله (فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا): قال الحافظ في (الفتح): فيه مجيء (لو) الشرطية للاستقبال خلافاً للأكثر، واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله: ( لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم )، وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى القول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم.

(3) قوله (ما ظنك باثنين، الله ثالثهما): قال الحافظ في (الفتح): ومعنى (ثالثهما) ناصرهما ومعينهما، وإلاّ فالله ثالث كل اثنين بعلمه. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: معناه: ثالثهما بالنصر، والمعونة، والحفظ، والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ).

(4) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

1/ الحديث منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال النووي: وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها هذا اللفظ ـ يعني ما ظنك باثنين الله ثالثهما ـ، ومنها بذله نفسه ومفارقة أهله في طاعة الله تعالى ورسوله، وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيه، ومنها جعله نفسه وقاية عنه، وغير ذلك.

2/ بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم على ربه تعالى.

3/ بيان مدى شدة عداوة المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له وحرصهم على قتله.

4/ الأخذ بأسباب السلامة والاحتياط في ذلك، حيث كمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار.

5/ اتخاذ الرفيق في السفر واختياره من ذوي الفضل والصلاح.

6/ عناية الصاحب بصاحبه وطمأنته إياه، وإدخاله السرور عليه.

7/ تسلية المقتفين لآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحثهم على الصبر على ما يلاقونه في سبيل نشر الدعوة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    8/ أن الداعي إلى الحق عرضة للأذى، وأن طريق الحق ليس مفروشاً بالورد، بل الأمر كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)).

9/ أن العاقبة لمن اتقى الله، وأن الله ناصر من نصر دينه، وأن الله مع أوليائه بالنصر والتأييد.

10/ تأدب أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عبر (بمع) الدالة على التبعية في قوله رضي الله عنه: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار)).

11/ تحدث الإنسان عما يجري له ولأصحابه في السفر وغيره، وذلك فيما إذا لم يكن هناك ما يستدعي الكتمان.

12/ في الحديث إثبات المعية لله تعالى، وهي على نوعين: معية عامة شاملة لجميع المخلوقات وهي المعية بالعلم، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها:

 قوله تعالى: ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم ).

النوع الثاني: معية خاصة وهي معية الله لرسله وأوليائه بالنصر والتأييد، وأدلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى فيما حكاه عن نبيه صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار:  ( لا تحزن إن الله معنا )، وقوله تعالى:  ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )، وقوله: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

وهذه النصوص لا تنافي النصوص الكثيرة الدالة على علوه وفوقيته، فهو مع المخلوقات بعلمه، ومع أوليائه بنصره وتأييده، وهو مستو على عرشه استواء يليق به، وقد جمع الله بين الاستواء على العرش ومعيته بعلمه لخلقه في قوله: ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ).