بحث عن بحث

 

حديث ( على كل مسلم صدقة )

 

قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الأدب) من صحيحه:

حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " على كل مسلم صدقة ". قالوا: فإن لم يجد قال: " فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق "، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: " فيعين ذا الحاجة الملهوف "، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: " فليأمر بالخير أو قال بالمعروف "، قال: فإن لم يفعل؟ قال: " فليمسك عن الشر فإنه له صدقة ".

المبحث الأول/ التخريج:

أورد البخاري هذا الحديث في موضعين من صحيحه هذا أحدهما في (باب: كل معروف صدقة)، والثاني في (كتاب الزكاة، باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف)، ولفظه: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة حدثنا سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل مسلم صدقة، قالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة)).

وأخرجه مسلم في (كتاب الزكاة) من صحيحه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال يمسك عن الشر فإنها له صدقة)). وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة بهذا الإسناد.

ورواه النسائي في (كتاب الزكاة، باب صدقة العبد)، فقال: أخبرني محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال حدثنا شعبة قال أخبرني ابن أبي بردة قال سمعت أبي يحدث عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجدها؟ قال: يعتمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قيل: فإن لم يفعل؟ قال: يأمر بالخير، قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة)).

وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة وفيه: ((على كل مسلم صدقة في كل يوم))، وفيه قال: ((يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر))، أي بزيادة (في كل يوم)، (وينهى عن المنكر) على ما في الصحيحين. وأخرج الحديث الإمام أحمد في (المسند) عن شعبة بطريقين إليه. وأخرجه البخاري في (الأدب المفرد).

المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ البخاري آدم: وهو ابن أبي إياس، واسمه عبد الرحمن العسقلاني، أصله خراساني، يكنى أبا الحسن، نشأ ببغداد، ثقة، عابد، من التاسعة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، ذكر ذلك في (تقريب التهذيب)، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى مسلم وابن ماجه.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): إن أباه اسمه عبد الرحمن بن محمد بن الحسن مولى تيم أو تميم، أصله من خراسان، سكن عسقلان، سمع شعبة، وابن أبي ذئب، والليث، وشيبان بن عبد الرحمن، وإسرائيل بن يونس، وحفص بن ميسرة. روى عنه البخاري في غير موضع.

وقال في (تهذيب التهذيب): نشأ ببغداد، وارتحل في الحديث فاستوطن عسقلان إلى أن مات، وقال: قال أبو داود: ثقة. وقال أحمد: كان مكيناً عند شعبة. وقال أحمد: كان من الستة أو السبعة الذين يضبطون الحديث عند شعبة. وقال ابن معين: ثقة ربما حدث عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، متعبد من خيار عباد الله. وقال ابن سعد: سمع من شعبة سماعاً كثيراً. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في (الثقات).

الثاني: شعبة: قال في (تهذيب التهذيب): شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الأزدي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثم ذكر جماعة روى عنهم سرد أسماءهم في خمس صفحات تقريباً، وذكر جماعة رووا عنه، ثم ذكر ثناء الأئمة عليه ومن ذلك: قول الإمام أحمد: ((كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن ـ يعني في الرجال ـ وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال)). وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: ((شعبة أمير المؤمنين في الحديث)). وقال وكيع: ((إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات لذبِّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وقال ابن سعد: ((كان ثقة مأموناً، ثبتاً، حجة، صاحب حديث)). وقال صالح جزرة: ((أول من تكلم في الرجال شعبة ثم تبعه القطان ثم أحمد ويحيى)). وقال أبو بكر بن منجويه: ((وكان من سادات أهل زمانه حفظاً، واتقاناً، وورعًا، وفضلاً، وهو أوّل من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علَما يُقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق)). وقال الحاكم: ((شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربعمائة من التابعين)). وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، حافظ، متقن، وقال: وكان عابداً، من السابعة، مات سنة ستين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): كان مولده سنة ثلاث وثمانين، مات سنة ستين ومائة في أولها، وله يوم مات سبع وسبعون سنة، قال عليّ بن المديني: كان أكبر من سفيان الثوري بعشر سنين رحمهم الله.

الثالث: سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع أباه عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وأنس بن مالك عند مسلم، روى عنه شعبة عندهما، وأبو إسحاق الشيباني عند البخاري، وعمرو بن دينار، وزيد بن أبي أنيسة، وزكريا بن أبي زائدة، ومجمع بن يحيى، وقتادة عند مسلم. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والعجلي، وأبي حاتم، والنسائي، وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: قال ابن أبي حاتم في (المراسيل): لم يسمع ابن أبي بردة من ابن عمر شيئاً، إنما يروي عن أبيه عنه، وروايته عن جده منقطعة لم يسمع منه شيئاً.

وقال في (تقريب التهذيب): سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، ثقة، ثبت، وروايته عن ابن عمر مرسلة، من الخامسة، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في (تهذيب التهذيب): وقال الصريفيني: مات سنة 168، كذا بخط مغلطاي ولعله وثلاثين بدل وستين. انتهى.

الرابع والخامس: أبو بردة وأبو موسى الأشعري: وقد سبق التعريف بهما في رجال إسناد الحديث الخامس.

المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) رجال الإسناد الخمسة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلاّ شيخ البخاري آدم بن أبي إياس فلم يرو له مسلم ولا ابن ماجه وروى له الباقون.

(2) ثلاثة من رجاله كوفيون وهم: أبو موسى رضي الله عنه وابنه وحفيده.

(3) روى الحديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده، قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبة الفكر: ((وجمع الحافظ صلاح الدين العلائي من المتأخرين مجلداً كبيراً في معرفة من روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: وقد لخصت كتابه المذكور وزدت عليه تراجم كثيرة جداً، وأكثر ما وقع فيه ما تسلسلت فيه الرواية عن الآباء بأربعة عشر أباً)). انتهى.

(4) آدم هو ابن أبي إياس، ولم ينسبه البخاري لانتفاء اللبس إذ ليس في شيوخه من يسمى آدم سواه، بل ليس في رجال صحيحه غيره إلاّ رجلاً واحداً وهو آدم بن عليّ العجلي، وهو من التابعين، وقد روى له هو والنسائي، وقد انفرد البخاري عن مسلم بالرواية لهذين، كما انفرد مسلم عن البخاري بالرواية لآدم بن سليمان القرشي الكوفي، ولم يرو له إلا حديثاً واحداً في (كتاب الإيمان) من صحيحه في الآيتين من آخر سورة البقرة، فليس في صحيح مسلم من يسمى آدم سواه، ولم يرد ذكره إلاّ في موضع واحد من صحيحه، وقد روى له الترمذي والنسائي.

وهؤلاء الثلاثة هم جملة من يسمى آدم في رجال الكتب الستة.

(5) شعبة هو ابن الحجاج، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى شعبة غيره.

(6) في الإسناد رجل وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهو شعبة بن الحجاج، وصفه بذلك سفيان الثوري كما في (تهذيب التهذيب).

المبحث الرابع/ شرح الحديث:

(1) قوله (على كل مسلم صدقة): ورد في مسند الطيالسي تقييد ذلك في كل يوم كما تقدم في التخريج، وهذه الصدقة قال الحافظ في (الفتح): على سبيل الاستحباب المتأكد أو على ما هو أعم من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب كقوله صلى الله عليه وسلم: ((على المسلم ست خصال))، فذكر منها ما هو مستحب اتفاقاً. انتهى.

(2) قوله (قالوا فإن لم يجد): أي ما يتصدق به، قال الحافظ: كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية، فسألوا عمن ليس عنده شيء، فبين لهم أن المراد بالصدقة: ما هو أعم من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف.

(3) قوله (فيعين ذا الحاجة الملهوف): أي المستغيث سواء كان عاجزاً أو مظلوماً، فيعينه بالفعل أو بالقول أو بهما معاً.

(4) قوله (فليأمر بالخير ـ أو قال ـ بالمعروف): أي وينهى عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متلازمان، وقد جاء الجمع بينهما في رواية أبي داود الطيالسي في مسنده كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في التخريج.

(5) قوله (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة): المراد بالشر: ما منعه الشرع والضمير في (فإنه) يعود إلى الإمساك، وفي الرواية الأخرى (فإنها له صدقة) بالضمير المؤنث باعتبار الخصلة من الخير التي هي الإمساك، والضمير في له يعود إلى المسلم الممسك عن الشر.

(6) قوله (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة): قال الزين بن المنير كما في (الفتح): إنما يحصل ذلك للممسك عن الشر إذا نوى بالإمساك القربة بخلاف محض الترك، والإمساك أعم من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدق عليه بالسلامة منه، فإن كان شره لا يتعدى نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. انتهى.

(7) وقال الزين بن المنير كما في (الفتح) أيضاً: وليس ما تضمنه الخبر من قوله: (فإن لم يجد) ترتيباً، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق، وأن يغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشر فليفعل الجميع.

(8) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

(1) الحث على الصدقة.

(2) أن الصدقة كما تطلق على إنفاق المال تطلق على جميع أفعال الخير.

(3) التنبيه على العمل والتكسب للاستفادة والإفادة.

(4) الحث على فعل الخير مهما أمكن.

(5) أن من قصد فعل خصلة من خصال الخير فتعسر عليه ذلك فلينتقل إلى فعل غيرها.

(6) أن أعمال الخير تنـزل منزلة الصدقات في الأجر ولاسيما في حق من لا يقدر عليها.

(7) أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة.

(8) في الحديث تسلية للعاجز عن فعل المندوبات إذا كان عجزه عن ذلك عن غير اختيار.

(9) أن الأحكام تجري على الغالب، لأن في المسلمين من أخذ الصدقة المأمور بصرفها وقد قال: ((على كل مسلم صدقة)).

(10) مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص العام.

(11) فضل التكسب وعمل الإنسان بيده لما فيه من الإغناء عن ذل السؤال، وإفادة الغير.

(12) تقديم النفس والبدء بالأهم فالمهم لقوله: ((فينفع نفسه ويتصدق)).

(13) أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير يكتب له صدقة.

(14) أن الصدقة بمعناها العام لا تختص بأهل اليسار، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة.

(15) أن خصال الخير تتفاضل وبعضها أولى من بعض.

(16) الحث على إعانة المحتاج ولاسيما الملهوف.

(17) الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(18) أن الترك عمل وكسب للعبد يثاب عليه إذا كان من أجل الله.

(19) أن الإحسان إلى الغير والشفقة على الخلق متأكد، وهو إما بمال حاصل أو ممكن التحصيل، أو بغير مال وذلك إما فعل وهو الإعانة، أو قول وهو الأمر بالمعروف، أو ترك وهو الإمساك عن الشر مع قصد القربة.

(20) حرص الصحابة رضوان الله عليهم على معرفة الحق وتبين درجات الخير.

(21) أن إمساك المسلم عن الشر صدقة منه على نفسه أو على غيره مع نفسه.

(22) أنه لا أقل من الإمساك عن الشر إن لم يحصل من المسلم فعل الخير مع ذلك.