بحث عن بحث

 

حديث ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان )

 

قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الإكراه) من صحيحه:

حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)).

المبحث الأول/ التخريج:

أورد البخاري ـ رحمه الله ـ هذا الحديث في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في (باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر)، والثاني في (كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان)، رواه عن شيخه محمد بن المثنى بمثل روايته عن محمد بن عبد الله بن حوشب متناً وسنداً وسياقاً، إلاَّ أن فيه نسبة عبد الوهاب (الثقفي) وأنس رضي الله عنه يقول فيه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث في (كتاب الإيمان) أيضاً (باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان)، ولفظه: حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلاّ لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار))، والرابع في (كتاب الأدب، باب الحب في الله)، ولفظه: حدثنا آدم حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)).

ورواه مسلم في (كتاب الإيمان) من صحيحه فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى بن أبي عمر ومحمد بن بشار جميعاً عن الثقفي، قال ابن أبي عمر حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار)).

حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه)). حدثنا إسحاق بن منصور أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا حماد عن ثابت عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديثهم غير أنه قال: ((من أن يرجع يهودياً أو نصرانياً)).

ورواه الترمذي في (كتاب الإيمان) من جامعه عن ابن أبي عمر عن عبد الوهاب بمثل إسناده ومتنه عند مسلم إلاَّ أن فيه بدل (حلاوة الإيمان) (طعم الإيمان)، وقال قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ورواه النسائي في (كتاب الإيمان) أيضاً فقال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا جرير عن منصور عن طلق بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله عزوجل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً)). أخبرنا سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله عن شعبة عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من أحب المرء لا يحبه إلا لله عزوجل، ومن كان الله عزوجل ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه)). أخبرنا عليّ بن حجر قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كان فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار)). ورواه الإمام أحمد في (المسند) عن عبد الوهاب بإسناده وفيه: ((كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها)). وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) قبيل ترجمة الصديق رضي الله عنه، وفي ترجمة أبي قلابة. وأخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) في ترجمة محمد بن الحسن المؤذن الأنباري.

المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي: قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): محمد بن عبد الله بن حوشب بمهملة ثم معجمة بوزن جعفر الطائفي، نزيل الكوفة، صدوق، من العاشرة، ورمز لكونه من رجال البخاري.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع إبراهيم بن سعد وهشيماً، وعبد الوهاب الثقفي، روى عنه البخاري في تفسير سورة النساء ومواضع. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): قال ابن شاهين في (الثقات): قال ابن معين: ليس به بأس. انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.

الثاني: عبد الوهاب ـ وهو الثقفي ـ كما ورد منسوباً في رواية محمد بن المثنى عند البخاري. قال الحافظ في (التقريب): عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ـ أي بعد المائة ـ عن نحو من ثمانين سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد، وخالد الحذاء، وعبيد الله بن عمر عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وغير واحد عند مسلم. روى عنه بندار، وأبو موسى عندهما، وذكر جماعة رووا عنه عند البخاري، وجماعة عند مسلم. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والعجلي، وذكره ابن حبان في (الثقات).

وقال عليّ بن المديني: ((ليس في الدنيا كتاب عن يحيى ـ يعني ابن سعيد الأنصاري ـ أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَل)). وقال الترمذي: سمعت قتيبة يقول: ((ما رأيت مثل هؤلاء الأربعة: مالك، والليث، وعبد الوهاب الثقفي، وعباد بن عباد)).

وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات، وقال ـ بعد نقل تغيره عن بعض المحدثين ـ قلت: احتج به الجماعة ولم يكثر البخاري عنه، والظاهر أنه إنما أخرج له عمن سمع منه قبل اختلاطه كعمرو بن عليّ وغيره، بل نقل العقيلي أنه لما اختلط حجبه أهله فلم يرو في الاختلاط شيئاً، والله أعلم.

الثالث: أيوب ـ وهو السختياني ـ: قال الحافظ في (التقريب): أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني ـ بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون ـ أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في (تهذيب التهذيب): أبو بكر البصري مولى عنـزة، ويقال: مولى جهينة، رأى أنس بن مالك، وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي، وحميد بن هلال، وأبي قلابة، وأناس آخرين سماهم. وعنه الأعمش وهو من أقرانه، وقتادة وهو من شيوخه، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وعبد الوارث، ومالك، وابن إسحاق، وسعيد بن أبي عروبة، وابن علية، وخلق كثير. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه والثناء عليه عن كثرين، ومن ذلك قول شعبة: حدثني أيوب وكان سيد الفقهاء. وقول ابن عيينة: ما لقيت مثل أيوب. وقول ابن سعد: كان ثقة ثبتاً في الحديث، جامعاً كثير العلم، حجة عدلاً. وقول مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين.

الرابع: أبو قلابة: قال الحافظ في (التقريب): عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة، مات بالشام ـ هارباً من القضاء ـ سنة أربع ومائة، وقيل بعدها، ورمز لكونه من رجال الجماعة. انتهى. روى عن جماعة من الصحابة وأرسل عن آخرين ذكرهم في (تهذيب التهذيب)، ونقل توثيقه عن ابن سعد، والعجلي، وابن خراش.

الخامس: الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه: تقدم في رجال إسناد الحديث السادس.

 

المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) رجال الإسناد الخمسة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي فلم يرو له منهم سوى البخاري.

(2) رجال الإسناد كلهم بصريون إلاّ شيخ البخاري فإنه طائفي ثم كوفي.

(3) شيخ شيخ البخاري عبد الوهاب ـ وهو ابن عبد المجيد الثقفي ـ لم ينسبه في الإكراه ونسبه في الإيمان، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى عبد الوهاب سواه.

(4) عبد الوهاب بن عبد المجيد تغير قبل وفاته بثلاث سنين، والحكم في رواية المختلط عند المحدثين أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل، وإذا لم يتميز توقف فيه، وعبد الوهاب الثقفي لم يحدث بعد اختلاطه، قال الذهبي في (الميزان) بعد أن نقل عن بعض المحدثين تغيره: قلت: لكنه ما ضر تغيره حديثه، فإنه ما حدث بحديث في زمن التغير. قال العقيلي: حدثنا الحسين بن عبد الله الذارع حدثنا أبو داود قال: تغير جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي فحجب الناس عنهم. انتهى.

(5) في الإسناد تابعيان وهما: أيوب السختياني وشيخه أبو قلابة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.

(6) أبو قلابة: كنية اشتهر بها عبد الله بن زيد الجرمي وهو من التابعين، وهناك رجل آخر اشتهر بأبي قلابة أيضاً إلاّ أنه متأخر عن هذا وهو بصري يكنى أبا محمد ويلقب بأبي قلابة، وهو من شيوخ ابن ماجه ولم يرو له الباقون، مات سنة ست وسبعين ومائتين وهو عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الملك الرقاشي.


 

المبحث الرابع/ شرح الحديث:

(1) قوله (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان): (ثلاث) مبتدأ وخبره الجملة بعده، وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه أي ثلاث خصال، (وكن فيه) يحتمل أن تكون تامة أي وجدن فيه، ويحتمل أن تكون ناقصة والتقدير: من كن مجتمعة فيه.

(2) معنى ( حلاوة الإيمان ): قال النووي: استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في رضى الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في (فتح المجيد): الحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق لما يحصل به من لذة القلب، ونعيمه، وسروره، وغذائه، وهي شيء محسوس يجده أهل الإيمان في قلوبهم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (فتح المجيد): أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئاً واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للّذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، قال: وتفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، قال: ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار. انتهى.

(3) قوله (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما): قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق أبيه وأمه وزوجه وجميع الناس، لأن الهدى من الضلال والخلاص من النار إنما كان بالله على لسان رسوله، ومن علامات محبته نصر دينه بالقول والفعل والذَّب عن شريعته والتخلق بأخلاقه. وقال النووي: ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في (فتح المجيد): ومحبة الله تستلزم محبة طاعته، فإنه يحب من عبده أن يطيعه والمحب يحب محبوبه ولابد، ومن لوازم محبة الله أيضاً محبة أهل طاعته كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، فمحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله من كمال الإيمان.

وقال أيضاً: ومن علامات محبة الله ورسوله، أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، ويؤثر مرضاته على ما سواه، ويسعى في مرضاته ما استطاع، ويبعد عما حرمه الله ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسوله، ويمتثل أمره ويترك نهيه، كما قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}، فمن آثر أمر غيره على أمره وخالف ما نهى عنه فذلك علَم على عدم محبته لله ورسوله، فإن محبة الرسول من لوازم محبة الله، فمن أحب الله وأطاعه أحب الرسول وأطاعه ومن لا فلا كما في آية المحنة ونظائرها. انتهى. ويعنى بآية المحنة قوله تعالى في سورة آل عمران: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}، فقد قال ـ رحمه الله ـ عند الكلام عليها: وهذه تسمى آية المحنة قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله تعالى آية المحنة: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}، إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير حاصلة ومحبته لكم منتفية.

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)). ولهذا قال:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول. انتهى.

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: المراد في الحديث: أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حباً قلبياً كما في بعض الأحاديث: ((أحبوا الله بكل قلوبكم))، فيميل بكليته إلى الله وحده حتى يكون وحده محبوبه ومعبوده، وإنما يحب من سواه تبعاً لمحبته، كما يحب الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين لما كان يحبهم ربه سبحانه، وذلك موجب لمحبة ما يحبه سبحانه وكراهة ما يكره، وإيثار مرضاته على ما سواه والسعي فيما يرضيه ما استطاع، وترك ما يكره، فهذه علامات المحبة الصادقة ولوازمها.

وقال ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم) في شرحه لحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) ما ملخصه: معنى الحديث: أن الإنسان لا يكون مؤمناً كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، وذم سبحانه من كره ما أحب الله وأحب ما كرهه الله، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله، محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلاً، وأن يكره ما كرهه تعالى، كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنـزيهاً كان ذلك فضلاً، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما كرهه الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دلَّ ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة، فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله. انتهى.

هذه بعض النقول عن العلماء في بيان المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم التي تطابق فيها القول والعمل، والتي هي سبب لمحبة الله تعالى للعبد.

وإذا أراد الإنسان أن يقف يقيناً على مقدار ما في قلبه من المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فليعرض أقواله وأفعاله على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن وافقت الشرع المحمدي كان ذلك دليلاً على صدق المحبة، وإن خالفته دلَّ على أن دعوى المحبة كاذبة، ولو أن إنساناً مثلاً ادعى أنه بار بوالديه، محب لهما، ثم أمراه أو أحدهما بأمر هو هين عليه، وليس معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فتلكّأ وعصى أمرهما ظهر لكل عاقل أن دعواه كاذبة، ويكون صادقاً إذا طابقت أعماله أقواله.

(4) في قوله (مما سواهما) شيئان، أحدهما: التعبير (بما) دون (من) والسر في ذلك: ليعم من يعقل ومن لا يعقل. والثاني: الضمير المثنى عائد إلى الله ورسوله، وهو يدل على جواز مثل هذه التثنية، ويستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم للخطيب الذي قال في خطبته (ومن يعصهما): ((بئس خطيب القوم أنت))، وأمره بأن يقول: ومن يعص الله ورسوله، أن ذلك ممنوع منه، ووجه الجمع بين الحديثين: أن الخطب يراد بها الإيضاح بخلاف ما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ. وقيل: إن تثنية الضمير هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حب الله مثلاً ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك. أما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية. وهناك وجوه أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر في (الفتح)، وهذان الوجهان من أحسن ما قيل في الجمع بين الحديثين.

(5) قوله صلى الله عليه وسلم: ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)): قد دلَّ القرآن العزيز على ما ثبت في هذا الحديث مع الوعيد لمن أخل بذلك، وذلك في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{24} }

(6) قوله (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله): وذلك من لوازم محبة الله تعالى، قال شارح الطحاوية: ((فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله يحب المحسنين ويحب المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضاً، ونبغضهم موافقة له سبحانه وتعالى، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته. انتهى.

(7) قوله (وأن يكره أن يعود في الكفر): قال الحافظ ابن حجر: فإن قيل فلم عدى العود (بفي) ولم يعد (بإلى)؟ فالجواب: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا }.

(8) قوله (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)، وفي رواية آدم عند البخاري في (كتاب الأدب): ((وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه))، قال الحافظ ابن حجر: وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى.

(9) قوله في رواية آدم في (كتاب الأدب): (بعد إذ أنقذه الله منه): قال الحافظ في (الفتح): والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: يعود. على معنى الصيرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره.

(10) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

(1) وجوب تقديم محبة الله ورسوله على كل ما سواهما.

(2) أن للإيمان حلاوة يجدها من وجدت فيه الخصال الثلاث المذكورة في الحديث.

(3) أن من لوازم محبة الله: الحب في الله والبغض في الله.

(4) أن تمكن محبة الله في قلب المؤمن يقتضي كراهة الكفر بالله وأهله.

(5) أن الوقوع في نار الدنيا أحب إلى العبد المؤمن حقاً من العود في الكفر لأنه يؤدي إلى دخول نار الآخرة والخلود فيها.

(6) في الحديث إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالخصلتان الأولى والثانية من الأول، والثالثة من الثاني.

(7) في الحديث دليل على أنه لا بأس في الجمع بين الله ورسوله في ضمير تثنية.

(8) التنفير من الكفر بالله والتحذير منه.

(9) استعمال التشبيه وضرب الأمثلة.

(10) في الحديث دليل على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره.