بحث عن بحث

حديث ( فقولوا: عبد الله ورسوله )

قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب أحاديث الأنبياء) من صحيحه:

حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يقول أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله).

المبحث الأول/ التخريج:

هذا الحديث أورده البخاري في باب قول الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ}مريم16، وأورده ضمن خطبة خطبها عمر رضي الله عنه وذلك في (كتاب المحاربين) في (باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت)، وسنده: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، وسياق محل الشاهد منه قول عمر رضي الله عنه: ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله)، وهذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم.

وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان بهذا الإسناد ومتنه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده ورسوله). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن هشيم عن الزهري، وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وعن إسحاق بن عيسى الطباخ عن مالك بن أنس عن الزهري مطولاً، وعن سفيان بن عيينة عن الزهري، كلها عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما، وسياق رواية سفيان: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبده ورسوله). وقد أشار الحافظ ابن كثير في تفسيره في آخر سورة النساء إلى أن عليّ بن المديني رواه عن سفيان بن عيينة عن الزهري بمثل رواية أحمد في مسنده وقال: وقال عليّ بن المديني: هذا حديث صحيح مسند. انتهى.

ورواه الدارمي في سننه في (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تطروني)، فقال: أخبرنا عثمان بن عمر حدثنا مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما تطري النصارى عيسى بن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله).

المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ البخاري الحميدي: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبد الله ابن حميد، وإليه ينسب أبو بكر الحميدي القرشي المكي، سمع سفيان بن عيينة، وكان من أثبت الناس فيه، وقال: جالسته تسع عشرة سنة أو نحوها، والوليد بن مسلم، ووكيعاً، ومروان بن معاوية، وبشر بن بكير. روى عنه البخاري في أول كتابه حديث: (الأعمال بالنيات) وغير موضع، وقال فيه الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): ثقة، حافظ، فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، من العاشرة، مات سنة تسع عشرة ـ أي بعد المائتين وقيل بعدها ـ، قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ورمز لكونه من رجال البخاري، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، ومسلم في مقدمة صحيحه، وابن ماجه في التفسير.

وقال الحافظ في شرحه لأول حديث في صحيح البخاري: هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى حميد بن أسامة ـ بطن من بني أسد ـ ابن عبد العزى بن قصي، رهط خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمع معها في أسد، ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وهو إمام كبير مصنف، رافق الشافعي في الطلب عن ابن عيينة وأخذ عنه الفقه، ورحل معه إلى مصر، ورجع بعد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومائتين.

وفي (تهذيب التهذيب) لابن حجر قال أحمد: ((الحميدي عندنا إمام))، وقال أبو حاتم: ((هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام))، وقال يعقوب بن سفيان: ((حدثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه))، وفيه غير ذلك من ثناء الأئمة عليه رحمه الله.

الثاني: سفيان ـ وهو ابن عيينة ـ: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه، إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ـ أي بعد المائة ـ وله إحدى وتسعون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

وقال في شرحه لأول حديث في صحيح البخاري: هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد المكي، أصله ومولده الكوفة، وقد شارك مالكاً في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة، وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): يكنى أبا محمد الهلالي، سكن مكة، وقيل: اسم جده أبي عمران ميمون، مولى بني عبد الله بن رويبة من بني هلال بن عامر، سمع الزهري، وعمرو بن دينار، وغير واحد من التابعين، وغيرهم عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وروى عنه أبو نعيم الفضل، وأبو الوليد الطيالسي، وعبد الله بن موسى، والحميدي، وعليّ بن المديني، وغيرهم عند البخاري، وسعيد بن منصور، وقتيبة، وبشر بن الحكم، ويحيى بن يحيى، وغير واحد عند مسلم.

وقال الذهبي في (الميزان): أحد الأثبات الأعلام، أجمعت الأمة على الاحتجاج به، وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلاَّ عن ثقة، وكان قوى الحفظ، وما في أصحاب الزهري أصغر سناً منه، ومع هذا فهو من أثبتهم. ونقل عن ابن عمار عن يحيى القطان: أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء، ثم ذكر الذهبي أنه سمع منه فيها محمد بن عاصم صاحب الجزء العالي، وقال: ويغلب على ظنّي أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، فأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها، لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر.

ونقل في (تهذيب التهذيب) الكثير من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول ابن حبان في (الثقات): ((كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين))، وقول اللالكائي: ((هو مستغن عن التزكية لتثبته وإتقانه، وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار))، وقول ابن مهدي: ((كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز))، وقول ابن وهب: ((ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله من ابن عيينة))، وقال أبو مسلم المستملي: ((سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه)).

وذكر ابن حبان في مقدمة صحيحه أنه لا يحتج بأخبار الثقات العدول من المدلسين إلاَّ ما بينوا السماع فيما رووا، ثم قال: اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلاَّ عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلاّ سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلاّ عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلاّ وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه. انتهى.

الثالث: الزهري محمد بن مسلم بن شهاب: تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.

الرابع: عبيد الله بن عبد الله ـ وهو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة ـ تقدم في رجال إسناد الحديث الثاني.

الخامس: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أحد العبادلة الأربعة من فقهاء الصحابة وتقدم في رجال إسناد الحديث الثاني، وأضيف هنا أن العبادلة الأربعة نظمهم السيوطي في ألفيته فقال:

    والبـحـر وابنا عمر عُمرو  **  وابن الزبير في اشتهار يجرى

   دون ابن مسعود لهم عبادلة   **  وغلطوا من غير هذا مال له

السادس: عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابي الجليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، صاحب المناقب العظيمة، الذي لا يسلك فجاً إلاّ وهرب الشيطان من ذلك الفج بشهادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تقدم في رجال الحديث الثامن.

المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري فإن مسلماً لم يخرّج له في الصحيح، وروى له في المقدمة، وابن ماجه روى له في التفسير.

(2) شيخ البخاري وشيخ شيخه مكيان وبقية رجال الإسناد مدنيون.

(3) في الإسناد صحابيان وتابعيان، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي وهو أيضاً من رواية تابعي عن تابعي.

(4) اجتمع في الإسناد أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهو: عبد الله بن عباس، وأحد الفقهاء السبعة من التابعين وهو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود.

(5) اشتمل هذا الإسناد على أربع من صيغ الأداء وهي التحديث، والسماع، والإخبار، والعنعنة.

(6) هذا الإسناد مماثل في الجملة لإسناد أوّل حديث أخرجه البخاري في صحيحه وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فالصحابي فيهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وشيخ البخاري وشيخ شيخه فيهما الحميدي وسفيان بن عيينة.

(7) سفيان بن عيينة من المدلسين، وهو معروف بالتدليس عن الثقات خاصة، وقد تقدم قول ابن حبان فيه: ((وهذا يعني التدليس عن الثقات خاصة، ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلاّ عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلاّ وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه)). انتهى. وهذا الحديث قد صرّح في روايته له بالسماع من الزهري في هذا الإسناد.

(8) ابن شهاب الزهري: وصفه الذهبي في (الميزان) بأنه يدلس نادراً، وقد صرّح بالإخبار في رواية هذا الحديث عن عبيد الله، فانتفى احتمال التدليس.

(9) شيخ البخاري اشتهر بالنسبة إلى جده حميد، ولهذا يذكره البخاري وغيره مقتصرين على النسبة، وقد اشتهر بهذه النسبة رجل آخر من رجال الحديث لكنه متأخر كثيراً عن هذا، وهو أبو عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح ابن حميد الحميدي الأندلسي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، مؤلف كتاب (الجمع بين الصحيحين) وكتاب (جذوة المقتبس) وغيرهما.

(10) سفيان بن عيينة: هو أحد السفيانين فيما إذا قيل في ترجمة رجل دونهما: روى عن السفيانين، أو رجل فوقهما روى عنه السفيانان، والثاني منهما سفيان الثوري وقد تقدم في رجال إسناد الحديث الثامن.

 

 

المبحث الرابع/ شرح الحديث:

(1) قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم): الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. والمعنى: لا تمدحوني بالباطل أو لا تجاوزوا الحد في مدحي فتغلوا كما غلت النصارى في عيسى فادعوا ألوهيته.

(2) قوله (فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله): أي صفوني بذلك كما وصفني به ربي وقولوا عبد الله ورسوله، وقد وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في أشرف المقامات فقال في ذكر الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}الإسراء1، وقال تعالى:  {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ }الجن19، وقال: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}النجم10، وقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}البقرة23، وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك يقول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة بعد غيره من الأنبياء: (اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى، قاله شارح الطحاوية.

(3) قوله (كما أطرت النصارى ابن مريم): قد بين الله تعالى في كتابه العزيز ما كان عليه النصارى من الغلو، وحذرهم من ذلك، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً}النساء171.

(4) قوله (فقولوا: عبد الله ورسوله): جمع صلى الله عليه وسلم بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله، دفعاً للإفراط والتفريط، دفعاً للإفراط والإطراء والغلو، لأنه عبد الله تعالى، ودفعاً للتقصير والتفريط بترك متابعته، وعدم الأخذ بسنته والسير على نهجه الذي أرسله الله به، ورحم الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: (عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب بل يطاع ويتبع). وهذا هو مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، فإن معناها كما قال رحمه الله: (طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع).

(5) لما كان أهل الكتاب بالنسبة لعيسى عليه الصلاة والسلام طرفي نقيض النصارى في جانب الإفراط، حيث غلوا فيه ورفعوه إلى المنـزلة التي لا يستحقها، والتي لا تليق إلاّ بالله وحده لا شريك له، وفي جانب التفريط أيضاً حيث حرّفوا وبدّلوا، خالفوا الشريعة التي جاء بها عيسى صلى الله عليه وسلم، وفي جانب التفريط أيضاً اليهود الذين يقتلون الأنبياء، وينتقصون عيسى صلى الله عليه وسلم ويصفونه وأمه بما هم برآء منه، لما كان أهل الكتاب في الطرفين المتناقضين، حذرنا الله من سلوك سبيلهم، وأمرنا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نسأله الهداية للصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير الطريق التي سلكها أعداؤه من المغضوب عليهم والضالين.

وقد جمع صلى الله عليه وسلم بينه وبين عيسى صلى الله عليه وسلم في وصف كل منهما بأنه عبد الله ورسوله حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). وسر الجمع بينهما عليهما الصلاة والسلام ووصفهما بكونهما عبدي الله ورسوليه، بيان أن عقيدة الإسلام في حق عيسى عليه الصلاة والسلام: أنه عبد الله ورسوله، فلا يغلى فيه غلو النصارى من جانب، ولا يقصر في حقه كما قصرت النصارى من جانب آخر، وكما جفت اليهود لعنة الله عليهم، وبيان أن الواجب في حق محمد صلى الله عليه وسلم وصفه بذلك وعدم الإفراط والتفريط، وأن وصفه بأنه عبد الله يقتضي اعتقاد أنه لا يستحق أن يصرف له شيء مما لا يستحقه إلاّ الله تعالى، ووصفه بأنه رسول الله يقتضي تصديقه في جميع ما يخبر به من أخبار في الماضي وفي المستقبل، وفي ما هو موجود غير مشاهد لنا، ويقتضي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتقديم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وأن لا يعبد الله إلاّ على وفق ما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه، هذه عقيدة المسلمين في عيسى عليه الصلاة والسلام وفي محمد صلى الله عليه وسلم، وسط بين طرفي الإفراط والتفريط. ولقد أحسن الشاعر إذ يقول:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد  **  كلا طرفي قصـد الأمــور ذميم

 (6) قوله (لا تطروني...) الخ: هذا منه صلى الله عليه وسلم سد للذرائع التي تؤدي إلى الشرك بالله، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما من خير إلاّ دلّ الأمة عليه، وما من شر إلاّ حذرها منه، وكل ما كان الشيء أخطر كانت العناية به أعظم، فالشرك لما كان أعظم الذنوب وأظلم الظلم على الإطلاق، وهو الذنب الذي لا يغفره الله والذي حرم الله على صاحبه الجنة ومأواه النار، لما كان بهذه الخطورة حذّر منه صلى الله عليه وسلم غاية التحذير، ومنع من أي وسيلة تؤدي إليه، كما منع من إطرائه في هذا الحديث، لئلا يفضي ذلك إلى أعظم محذور، وكما لعن صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد وهو في شدة المرض الذي مات فيه، كل ذلك حماية منه صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، وسد للطرق التي تنتهي إلى الشرك، فصلوات الله وسلامه الأتمّان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير الذي أرشد الناس إلى كل خير، وحذرهم من كل شر.

(7) مدح الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. فالمحمود هو أن يوصف بكل كمال يليق بالإنسان، فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأنصحهم وأخشاهم لله وأتقاهم، وأفصحهم لساناً وأقواهم بياناً، وأرجحهم عقلاً، وأكثرهم أدباً، وأوفرهم حلماً، وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة، وأكرهم نفساً، وأعلاهم منـزلة، وكل وصف هو كمال في حق الإنسان فلسيد ولد آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف يعتبر نقصاً في الإنسان فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه، فلقد اتصف بكل خلق كريم، وسلم من أدنى أي وصف ذميم، وحسبه شرفاً قول الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}القلم4، قد والله بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة على أكمل وجه، ونصح للأمة غاية النصح، ببيان ليس وراءه بيان، ونصح يفوق نصح أي إنسان، فكل ثناء على سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل فهو حق مع الحذر من تجاوز الحد والخروج عن الحق، وما أحلى وأجمل وصفه صلى الله عليه وسلم بكونه عبد الله ورسوله تحقيقاً لرغبته عليه الصلاة والسلام وامتثالاً لأمره في قوله في هذا الحديث: (وقولوا عبد الله ورسوله).

والمدح المذموم هو الذي يتجاوز فيه الحد ويقع به المادح في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن يوصف صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز أن يوصف به إلاَّ الله تبارك وتعالى، أو أن يصرف له صلى الله عليه وسلم ما لا يستحقه إلا الباري جل وعلا. ومن ذلك بعض الأبيات التي قالها البوصيري في البردة مثل قوله:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به  **  سواك عند حلول الحادث العمم

فهذا المعنى الذي اشتمل عليه هذا البيت لا يجوز أن يصرف لغير الله عزوجل، ولا يستحقه إلاّ هو وحده لا شريك له، فهو الذي يعاذ به ويلاذ به، ويلتجأ إليه، ويعتصم بحبله، ويعول عليه، وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم مبينا تفضله وامتنانه على عباده، وأنه ما بهم من نعمة فمنه تفضلاً وامتناناً: " لن يدخل أحدكم بعمله الجنة "، قالوا: ولا أنت لا رسول الله؟ قال:" ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء كما قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}النمل62 أي: لا أحد سواه يكون كذلك لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فضلا عمن سواهما.وقال تعالى:{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}يونس107، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}الإسراء67، وقال: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}النحل53، والحاصل أن المدح الذي اشتمل عليه هذا البيت مدح بالباطل الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون حقاً لو قال منادياً ربه:

 يا خالق الخلق ما لي مَن ألوذ به  **   سواك عند حلول الحادث العمم

ومثل قوله أيضاً يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:

  فإن من جودك الدنيا وضرتها  **  ومن علومك علم اللوح والقلم

وهذا لا يليق إلاّ بمن بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى، فهو القائل عن نفسه: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}النحل53، والقائل عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك) الحديث، فهو وحده الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو وحده الذي من علمه علم اللوح والقلم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لا يملك إلاّ ما أعطاه الله، ولا يعلم من الغيب إلاّ ما أطلعه عليه، وقد أمره الله أن يقول: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ}الأنعام50.

وقال له: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً}الجن21، وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}الشعراء214، قال: (يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي، لا أغنى عنك من الله شيئاً).

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك) الحديث.

(8) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

(1) نشر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإعلانها على المنابر.

(2) كمال نصح الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وبلاغه البلاغ المبين.

(3) سد الذرائع التي تؤدي إلى الشرك.

(4) بيان ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى عليه الصلاة والسلام.

(5) تحذير هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه النصارى.

(6) الجمع بين الأمر والنهي، وأن على المفتي إذا أرشد إلى المنع من محذور أن يدل على مأمور به هو خير.

(7) وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه عبد الله ورسوله امتثالاً لأمره.

(8) الإشارة في الجمع بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله إلى دفع الإفراط والتفريط.

(9) بيان أنه صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن أن يكون عبدًا لله تعالى حيث قال: " إنما أنا عبده ".