بحث عن بحث

حديث لما حضرت أبي طالب الوفاة

 

قال الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ في كتاب الإيمان من صحيحه: وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عمّ قل: لا إله إلاّ الله كلمة أشهد لك بها عند الله))، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملّة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلاّ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك)). فأنزل الله عزوجل:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التوبة:113،  وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ) yإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) القصص:56.

المبحث الأول: التخريج

أورد مسلم ـ رحمه الله ـ هذا الحديث من طرق هذه إحداها ثم قال عقبها: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر (ح)، وحدثنا حسن الحلواني وعبد بن حميد قالا حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد قال: حدثني أبي عن صالح كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد مثله غير أن حديث صالح انتهى عند قوله: فأنزل الله عزوجل

 فيه ولم يذكر الآيتين وقال في حديثه: ويعودان في تلك المقالة وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة فلم يزالا به.

ـ حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر قالا حدثنا مروان عن يزيد ـ وهو ابن كيسان ـ عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: ((قل: لا إله إلاّ الله، أشهد لك بها يوم القيامة))، فأبى، فأنزل الله  ( yإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) الآية.

ـ حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: ((قل: لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة))، قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله ( yإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) .

وأخرجه البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، أولها في (كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلاّ الله). قال فيه: حدثنا إسحاق أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساق متنه بنحوه عند مسلم إلاّ أن فيه: ويعودان بتلك المقالة. وليس فيه ذكر الآية الثانية، وفيه التنصيص على أن الآية الأولى أنزلت في أبي طالب حيث قال: فأنزل الله تعالى فيه ) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ) الآية.

والثاني: في باب قصة أبي طالب قال فيه: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال: ((أي عم قل: لا إله إلاّ الله كلمة أحاج لك بها عند الله))، قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأستغفرن لك ما لم أُنه عنه))، فنزلت: )مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( .ونزلت: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (.

والثالث: في تفسير سورة براءة، باب ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ (. قال فيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أي عم قل: لا إله إلاّ الله أحاج لك بها عند الله))، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك))، فنزلت ) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (.

والرابع: في تفسير سورة القصص، باب ) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ (. قال فيه: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة...، وساق متنه بنحوه عند مسلم إلاّ أن فيه: ((أحاج لك بها عند الله)) بدل ((أشهد لك))، وفيه ((ويعيدانه بتلك المقالة))، وفيه ((على ملّة عبد المطلب)) بدون: هو.

والخامس: في (كتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم فصلى أو قرأ أو سبح أو كبر أو حمد أو هلل فهو على نيته). رواه عن شيخه أبي اليمان بإسناده في تفسير سورة القصص، ومتنه: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((قل: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)).

وأخرجه النسائي في (كتاب الجنائز) من سننه في النهي عن الاستغفار للمشركين فقال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد ـ وهو ابن ثور ـ عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: ((أي عم، قل: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاج لك بها عند الله عزوجل))، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر شيء كلمهم به: على ملّة عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك))، فنزلت ) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ (.

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، ومتنه مثل متن حديث معمر عن الزهري عند النسائي.

وأخرجه الترمذي في تفسير سورة القصص من جامعه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال فيه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان حدثني أبو حازم الأشجعي ـ هو كوفي، اسمه سلمان مولى عزة الأشجعية ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: ((قل: لا إله إلاّ الله، أشهد لك بها يوم القيامة))، فقال: لولا أن تعيرني قريش أن ما يحمله عليه الجزع لأقررت بها عينك. فأنزل الله عزوجل: ) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ (. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث يزيد بن كيسان. انتهى. وتقدمت رواية مسلم حديث أبي هريرة من طريقين إلى يزيد بن كيسان.

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان حدثني أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه فذكره بنحوه.

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ مسلم حرملة بن يحيى: وهو حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران بن قراد التجيبي ـ بضم المثناة وكسر الجيم بعدها ياء ساكنة ثم موحدة ـ المصري أبو حفص صاحب الشافعي، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ وكان مولده سنة ستين ـ أي بعد المائة ـ، قاله الحافظ في التقريب، ورمز لكونه من رجال مسلم والنسائي وابن ماجه، وقال في تهذيب التهذيب: روى عن ابن وهب فأكثر، وعن الشافعي ولازمه وأيوب بن سويد الرملي وبشر بن بكر وأبي صالح عبد الغفار بن داود الحراني ويحيى بن عبد الله بن بكير وغيرهم. وعنه مسلم وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن الهيثم الطرسوسي وغيرهم سماهم، ونقل في تهذيب التهذيب شيئاً من كلام الأئمة فيه، ومن ذلك قول أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الدوري عن يحيى: شيخ لمصر يقال له حرملة، كان أعلم الناس بابن وهب. وقال العقيلي: كان أعلم الناس بابن وهب وهو ثقة إن شاء الله. وذكره ابن حبان في الثقات وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال وقال: أحد الأئمة الثقات وراوية ابن وهب وصاحب الشافعي روى عنه مسلم وابن قتيبة العسقلاني والحسن بن سفيان وخلق، ولكثرة ما روى انفرد بغرائب. وقال: قال ابن عدي: قد تبحرت حديث حرملة وفتشته الكثير، فلم أجد في حديثه ما يجب أن يضعف من أجله. ثم قال الذهبي: قلت: يكفيه أن ابن معين قد أثنى عليه وهو أصغر من ابن معين. قال عياش عن ابن معين قال: شيخ بمصر يقال له حرملة، أعلم الناس بابن وهب. وقال أبو عمر الكندي: كان حرملة فقيهاً لم يكن أحد أكتب عن ابن وهب منه وذلك لأن ابن وهب قد استخفى في منزله سنة وأشهراً لما طلب ليتولى القضاء.

الثاني: عبد الله بن وهب، وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ـ أي بعد المائة ـ وله اثنتان وسبعون سنة. قاله في التقريب، ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقد ذكرت ترجمته وترجمة شيخه يونس بن يزيد وشيخ شيخه ابن شهاب الزهري في رجال إسناد الحديث الأول من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.

الثالث: يونس وهو ابن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ـ بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام ـ أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة إلاّ أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ـ أي بعد المائة على الصحيح ـ قاله الحافظ في تقريب التهذيب، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

الرابع: ابن شهاب، قال الحافظ في (التقريب): محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ـ أي بعد المائة وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

الخامس: سعيد بن المسيب، قال الحافظ في التقريب: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): المدني يكنى أبا محمد كان ختن أبي هريرة على ابنته وأعلم الناس بحديثه، سمع عثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وأباه المسيب، وأبا هريرة، وعبد الله بن عمر، وحكيم بن حزام، وأبا سعيد الخدري، وعائشة رضي الله عنها عندهما ـ أي في الصحيحين ـ إلى أن قال: روى عنه الزهري محمد بن عبد الله، وعمرو بن مرّة، وقتادة عندهما.

وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) الكثير من ثناء العلماء عليه، من ذلك: قال نافع عن ابن عمر: هو والله أحد المتقنين. وقال قتادة: ما رأيت أحداً قط أعلم بالحلال والحرام منه. وقال محمد بن إسحاق عن مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم منه. وقال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين. وقال عثمان الحارثي عن أحمد: أفضل التابعين سعيد بن المسيب. وقال عليّ بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً من سعيد بن المسيب. قال: وإذا قال سعيد: مضت السنة فحسبك به، قال: هو عندي أجل التابعين. وقال أبو زرعة: مدني قرشي ثقة إمام. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة. وقال ابن حبان في (الثقات): كان من سادات التابعين فقهاً وديناً وورعاً وعبادة وفضلاً، وكان أفقه أهل الحجاز وأعبر الناس لرؤيا، ما نودي بالصلاة من أربعين سنة إلاّ وسعيد في المسجد. انتهى.

وسعيد هو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين، وقد ذكرتهم في شرح الحديث الثاني من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.

السادس: صحابي الحديث. المسيب بن حزن: بفتح المهملة وسكون الزاي، ابن أبي وهب المخزومي، أبو سعيد له ولأبيه صحبة، عاش إلى خلافة عمر رضي الله عنه، قاله الحافظ في التقريب، ورمز لكون حديثه في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي.

وقال الخزرجي في (خلاصة تذهيب الكمال): المسيب بن حزن ـ بإسكان الزاي ـ بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ ـ بمعجمة ـ بن عمران بن مخزوم المخزومي، له سبعة أحاديث، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على حديثين، وانفرد البخاري بآخر وعنه ابنه سعيد. وذكر الحافظ في (مقدمة فتح الباري) أن له في صحيح البخاري ثلاثة أحاديث.

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث.

(1) رجال الإسناد الستة حديثهم في الكتب الستة إلاّ الصحابي فليس له في جامع الترمذي وسنن ابن ماجه رواية، وإلاّ شيخ مسلم حرملة بن يحيى فلم يرو له البخاري وأبو داود والترمذي.

(2) شيخ مسلم وشيخه في الإسناد مصريان والزهري وسعيد بن المسيب وأبوه مدنيون.

(3) سعيد بن المسيب أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين.

(4) المسيب بن حزن رضي الله عنهما، له في صحيح مسلم حديثان، هذا أحدهما والثاني عن ابنه سعيد قال: ((كان أبي ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها...)) الحديث.

(5) الحديث من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه فهو من رواية الأبناء عن الآباء.

(6) المسيب بن حزن وأبوه حزن بن أبي وهب رضي الله عنهما صحابيان، وقد ألف الشيخ محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل كتاباً خاصاً بهذا النوع سماه (بغية أهل الأثر في من اتفق له ولأبيه صحبة خير البشر)، وذكر في آخره أنه فرغ من تأليفه سنة 1226هـ.

(7) المسيب بن حزن رضي الله عنه لم يرو عنه إلاّ ابنه سعيد. قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: وعدّه الأزدي وغيره في من لم يرو عنه إلا واحد. وقال النووي في شرحه هذا الحديث في صحيح مسلم: وهو حديث اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يروه عن المسيب إلاّ ابنه سعيد. كذا قاله الحافظ.

وفي هذا رد على الحاكم أبي عبد الله بن الحافظ ـ رحمه الله ـ في قوله: لم يخرج البخاري ولا مسلم ـ رحمهما الله ـ عن أحد ممن لم يرو عنه إلاّ راو واحد. ولعلّه أراد من غير الصحابة، والله أعلم.

(8) في الإسناد عبد الله بن وهب، وصفه ابن سعد بالتدليس كما في ترجمته في تهذيب التهذيب، وقد صرح في رواية هذا الحديث بالإخبار، وفي الإسناد أيضاً ابن شهاب الزهري، وقد وصفه الذهبي في (ميزان الاعتدال) بأنه يدلس نادراً، وقد صرح بالإخبار في رواية هذا الحديث عن سعيد بن المسيب.

(9) حرملة بن يحيى ولد في السنة التي مات فيها جده حرملة بن عمران كما في تراجمهما في (تقريب التهذيب)، وكل منهما من رجال صحيح مسلم، وكنية كل منهما أبو حفص، وهما مصريان، وعبد الله بن وهب يروي عن حرملة الجد، ويروي عنه حرملة الحفيد.

(10) قال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث): يصح التحمل قبل وجود الأهلية فتقبل رواية من تحمل قبل الإسلام، وروى بعده. انتهى.

ورواية المسيب هذا الحديث من شواهد ذلك، فإن المسيب قد تأخر إسلامه ووفاة أبي طالب كانت قبل الهجرة، وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح: يحتمل أن يكون المسيب حضر هذه القصة، فإن المذكورين ـ يعني أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية ـ من بني مخزوم وهو من بني مخزوم أيضاً، وكان الثلاثة يومئذ كفاراً، فمات أبو جهل على كفره وأسلم الآخران.

المبحث الرابع: شرح الحديث:

(1) قوله (لما حضرت أبا طالب الوفاة) اسم أبي طالب: عبد مناف، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه، فكفله إلى أن كبر واستمر على نصره بعد أن بعث إلى أن مات أبو طالب وذلك في السنة العاشرة من البعث، وكان يذُبُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرد عنه كل من يؤذيه وهو مقيم مع ذلك على دين قومه، وأخباره في حياطته والذَّبِّ عنه معروفة مشهورة.

هذا ملخص ما ذكره عنه الحافظ ابن حجر في شرحه هذا الحديث في (كتاب الجنائز) من صحيح البخاري، وقال فيه: من عجائب الاتفاق أن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم أربعة لم يسلم منهم اثنان وأسلم اثنان، وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين وهما أبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزّى بخلاف من أسلم وهما حمزة والعباس.

(2) قوله (لما حضرت أبا طالب الوفاة) قال النووي في شرح صحيح مسلم: المراد قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقول الله تعالى: ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ (، ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي صلى الله عليه وسلم ومع كفار قريش. انتهى.

وقال الحافظ في (الفتح): ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة لكن رجا النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أقر بالتوحيد ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه وتسوغ شفاعته صلى الله عليه وسلم لمكانه منه، قال: ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد وقال: هو على ملّة عبد المطلب ومات على ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الشفاعة له بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه. ذكره في شرح هذا الحديث في تفسير سورة القصص، وقال فيه أيضاً: وفي الحديث: أن من لم يعمل خيراً قط إذا ختم عمره بشهادة ألا إله إلاّ الله حكم بإسلامه وأجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى بشرط أن لا يكون وصل إلى حد انقطاع الأمل من الحياة وعجز عن فهم الخطاب ورد الجواب وهو وقت المعاينة وإليه الإشارة بقوله تعالى: ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ (. والله أعلم.

(3) قوله (جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية)، قال الحافظ في الفتح: وعبد الله بن أبي أمية، أي ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهو أخو أم سلمة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح واستشهد في تلك السنة في غزوة حنين. انتهى. أما أبو جهل، فاسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، وقد مات كافراً.

(4) قوله (يا عم قل: لا إله إلاّ الله)، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: أمره أن يقولها فأبى أبو طالب أن يقولها، لعلم أبي طالب بما دلت عليه من نفي الشرك بالله وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، فإن من قالها عن علم ويقين فقد برىء من الشرك والمشركين ودخل في الإسلام، لأنهم يعلمون ما دلت عليه، وفي ذلك الوقت لم يكن بمكة إلاّ مسلم أو كافر، فلا يقولها إلاّ من ترك الشرك وبرىء منه، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة كان فيها المسلمون الموحدون والمنافقون الذين يقولونها بألسنتهم، وهم يعرفون معناها لكن لا يعتقدونها لما في قلوبهم من العداوة والشك والريب، فهم مع المسلمين بظاهر الأعمال دون الباطن، وفيها اليهود وقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر ووادعهم بأن لا يخونوه ولا يظاهروا عليه عدواً، كما هو مذكور في كتب الحديث والسير.

(5) قوله (كلمة أشهد لك بها عند الله)، وفي بعض الروايات (أحاج لك بها عند الله)، قال الحافظ في الفتح: كلمة بالنصب على البدل من لا إله إلاّ الله أو الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.

وقال أيضاً: وكأنه عليه الصلاة والسلام فهم من امتناع أبي طالب من الشهادة في تلك الحالة، أنه ظنّ أن ذلك لا ينفعه لوقوعه عند الموت، أو لكونه لم يتمكن من سائر الأعمال كالصلاة وغيرها فلذلك ذكر له المحاججة، وأما لفظ الشهادة فيحتمل أن يكون ظن أن ذلك لا ينفعه إذ لم يحضر حينئذ أحد من المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطيب قلبه بأن يشهد له بها فينفعه.

(6) قول أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟.

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: ذكراه الحجة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين كقول فرعون لموسى: فما بال القرون الأولى. وقوله تعالى: ) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (.

(7) قول أبي طالب: هو على ملة عبد المطلب. قال الحافظ في الفتح: وأراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: أنا، فغيرها الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحا للفظ المذكور، وهي من التصرفات الحسنة. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه (تيسير العزيز الحميد) بعد أن ذكر كلام الحافظ وقال: إنه الظاهر، قال: وقد رواه الإمام أحمد بلفظ أنا فدل على ما ذكرناه.

(8) قوله (أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل الله عزوجل: ) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ( الآية، الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة لعمه أبي طالب الشفاعة في السلامة من العذاب، أما تخفيف العذاب فقد حصلت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك كما جاء في أحاديث صحيحة، منها في صحيح البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر عنده عمه فقال: ((لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)). ومنها حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه)). وهذه الشفاعة من الشفاعات الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم وفي ذلك تخصيص لقوله تعالى: ) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (، ولقوله تعالى: ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا (.

(9) نفى الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم هداية العباد بقوله: ) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (، وأثبت له الهداية في قوله: ) وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(، ولا تنافي بين الآيتين، فإن الهداية المنفية هداية التوفيق والتسديد لأنها خاصة بالله وحده، أما المثبتة فهي هداية الدلالة والإرشاد.

(10) ليس في الحديث قول: محمد رسول الله، مع قول: لا إله إلاّ الله. وقد قال الحافظ في الفتح في ذلك: وإنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه ـ يعني أبا طالب ـ أن يقول: لا إله إلاّ الله، ولم يقل فيها: محمد رسول الله، لأن الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة، ويحتمل أن يكون أبو طالب كان يتحقق أنه رسول الله ولكن لا يقر بتوحيد الله فاقتصر على أمره له بقول: لا إله إلاّ الله، فإذا أقرّ بالتوحيد لم يتوقف عن الشهادة بالرسالة.

(11) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

(1) جواز زيارة القريب المشرك وعيادته.

(2) عرض الإسلام على الكافر عند الموت.

(3) تكرار تلقين الكافر شهادة الحق رجاء هدايته.

(4) أن التوبة مقبولة ولو في مرض الموت ما لم يصل إلى الغرغرة.

(5) أن الكافر إذا شهد شهادة الحق نجا من العذاب لأن الإسلام يجبُّ ما قبله.

(6) الحرص في الدعوة إلى الله عزوجل.

(7) حرصه صلى الله عليه وسلم ورغبته الشديدة في إسلام عمه أبي طالب.

(8) أن أبا طالب مات على الكفر ولم يدخل في الإسلام.

(9) تأكيد الراوي عدم إسلام أبي طالب.

(10) أن أبا جهل وأبا طالب وأمثالهم من الكفرة يعلمون معنى لا إله إلاّ الله.

(11) ما كان عليه أهل الجاهلية من التعصب لملّة الآباء والأجداد.

(12) أن أهل الجاهلية على نحل مختلفة، منها ملّة عبد المطلب وكلها تقابل الحق كما في قوله تعالى: ) وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (.

(13) معارضة دعاة الباطل الدعوة إلى الحق.

(14) التلطف في خطاب القريب ونداؤه بوصف القرابة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يا عم)).

(15) مضرّة جلساء السوء على الإنسان.

(16) أنه لابد للدخول في الإسلام من التلفظ بكلمة التوحيد وهي (لا إله إلاّ الله).

(17) أنه لا يلزم تقديم كلمة (أشهد) بين يدي كلمة التوحيد لقوله صلى الله عليه وسلم لعمه: ((قل: لا إله إلاّ الله)).

(18) إطلاق الكلمة مراداً بها الكلام.

(19) أن من حسن أدب المتكلم عند حكاية الكلام السيء الصادر من غيره بضمير التكلم الإتيان به بضمير الغيبة.

(20) أن هداية التوفيق والتسديد لا تكون إلاّ لله وحده.

(21) جواز الحلف من غير استحلاف.

(22) أن حلف الحالف يكون بالله لا بغيره.

(23) تحريم الاستغفار للمشركين.

(24) امتثال الرسول صلى الله عليه وسلم أمر ربه واجتنابه نهيه، وهو عليه الصلاة والسلام القدوة الحسنة لأمته.

(25) أن صيغة (ما كان له كذا) لها حكم صيغة النهي، وهو خبر بمعنى الطلب.

(26) أن قوله تعالى: ) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ( نزل في شأن أبي طالب وموته على غير ملّة الإسلام.

(27) أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.

(28) أن السنة تفسِّر القرآن وتدل عليه.

(29) في عدم إسلام أبي طالب مع قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدّة حرصه صلى الله عليه وسلم على إسلامه تنبيه على عدم التعويل على القرابة والنسب، وصَدَقَ الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم إذ يقول في الحديث الصحيح: ((ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه)).

(30) في عدم إسلام أبي طالب الذي حصل منه الإحسان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصه على إسلامه دلالة واضحة على أنه لا يفزع في قضاء الحاجات وتفريج الكربات والنجاة من العذاب إلاّ إلى من بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى.

فلو كان عند النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل خلق الله من هداية القلوب وتفريج الكروب ونحو ذلك شيء، لكان أحق الناس بذلك وأولاهم به عمه الذي كان يحوطه ويحميه وينصره ويؤويه.