بحث عن بحث

حديث لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)

 

قال الإمام مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

المبحث الأول: التخريج:

أخرج مسلم هذا الحديث بهذا اللفظ عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه عن أربعة من شيوخه فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم قالا أخبرنا عيسى - وهو ابن يونس - (ح) وحدثنا منجاب بن الحارث التميمي أخبرنا ابن مسهر (ح) وحدثنا أبو كريب أخبرنا ابن إدريس، كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد قال أبو كريب قال ابن إدريس حدثنيه أولاً أبي عن أبان بن تغلب عن الأعمش ثم سمعته منه.

وأخرجه البخاري في ثمانية مواضع من صحيحه، أولها في (كتاب الإيمان، باب ظلم دون ظلم) قال فيه: حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة (ح) قال وحدثني بشر قال حدثنا محمد عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

والثاني: في (كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ( َواتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) قال فيه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)  قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ((ليس كما تقولون: (وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)  بشرك، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

والثالث والرابع: في (كتاب أحاديث الأنبياء) أيضاً في (باب قول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) )  قال فيهما: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ). قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنـزلت: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

حدثنا إسحاق حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)  شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ((ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

والخامس: في (كتاب التفسير، باب (وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) قال فيه: حدثني محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت: (وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) قال أصحابه: وأينا لم يظلم؟ فنـزلت: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

والسادس: في تفسير (سورة لقمان، باب: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)  قال فيه: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)  شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)).

والسابع: في (كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة). وهو أوّل حديث في هذا الكتاب، رواه عن شيخه قتيبة بمثل إسناده ومتنه في تفسير (سورة لقمان) المتقدم قبله.

والثامن: في (كتاب استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأوّلين). قال فيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع (ح) حدثنا يحيى حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

وأخرجه الترمذي في (كتاب التفسير) من جامعه قال فيه: حدثنا عليّ بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: ((ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده فقال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: ((إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). إنما هو الشرك)).

وأخرجه ابن أبي حاتم من طريقين إلى الأعمش كما في تفسير ابن كثير لسورة الأنعام.

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ البخاري أبو بكر بن أبي شيبة: تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.

الثاني: عبد الله بن إدريس وهو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو- أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة مات سنة اثنتين وتسعين - أي بعد المائة - وله بضع وسبعون سنة. قاله الحافظ في (التقريب) ورمز لكونه من رجال الجماعة. وذكر في (تهذيب التهذيب) أسماء جماعة روى عنهم منهم: أبوه وعمه داود والأعمش وغيرهم. وجماعة رووا عنه منهم: مالك بن أنس - وهو من شيوخه - وابن المبارك ومات قبله، ويحيى بن آدم وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وابنا أبي شيبة وغيرهم، ثم ذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك: قول أحمد: كان نسيج وحده. وقول يحيى بن معين: هو ثقة في كل شيء. وقول أبي حاتم: هو حجة يحتج به، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقول النسائي: ثقة ثبت. ونقل توثيقه أيضاً عن ابن سعد وابن حبان وابن خراش والعجلي والخليلي وابن المديني.

الثالث: أبو معاوية وهو محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير الكوفي عمي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين - أي بعد المائة - وله اثنتان وثمانون سنة وقد رُمي بالإرجاء. قاله الحافظ في (التقريب) ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الخزرجي في (الخلاصة): محمد بن خازم - بمعجمتين - التميمي مولاهم، أبو معاوية الضرير أحد الأعلام، عن الأعمش وسهيل بن أبي صالح وعاصم الأحول وخلق. وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وأبو خيثمة وخلق. وروى عنه من شيوخه: الأعمش وابن جريج.

قال أحمد كان في غير الأعمش مضطرباً. وقال العجلي: ثقة يرى الإرجاء. وقال يعقوب بن شيبة: ربما دلس. قال ابن معين: مات سنة خمس وتسعين ومائة. انتهى. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن العجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان يدلس، وكان مرجئاً.

الرابع: وكيع - وهو ابن الجراح - تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.

الخامس: الأعمش - وهو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي - أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان - أي بعد المائة - وكان مولده أوّل إحدى وستين. قاله الحافظ في (التقريب) ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقد ذكرت ترجمته وترجمة شيخه إبراهيم النخعي في رجال إسناد الحديث الثامن من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.

السادس: إبراهيم - وهو النخعي - قال الحافظ في (التقريب): إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيراً، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

السابع: علقمة، وهو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد من الثانية، مات بعد الستين وقيل بعد السبعين. قاله الحافظ في (التقريب) ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الخزرجي في (الخلاصة): أبو شبل الكوفي أحد الأعلام مخضرم. عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وحذيفة وطائفة. وعنه: إبراهيم النخعي والشعبي وسلمة بن كهيل وخلق. وقال في (تهذيب التهذيب): وعنه: ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي وإبراهيم بن سويد النخعي وغيرهم سماهم، وقال: قال مغيرة عن إبراهيم: كان علقمة عقيماً. وقال ابن المديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعبيدة والحارث. وقال أبو المثنى رياح: إذا رأيت علقمة، فلا يضرك أن لا ترى عبد الله أشبه الناس به سمتاً وهدياً، وإذا رأيت إبراهيم، فلا يضرك أن لا ترى علقمة. ونقل توثيقه عن أحمد وابن معين وعثمان بن سعيد.

الثامن: صحابي الحديث عبد الله - وهو عبد الله بن مسعود بن غافل بمعجمة وفاء - بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمّة، وأمّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين أو في التي بعدها بالمدينة. قاله الحافظ في (التقريب) ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.

وقال الخزرجي في (الخلاصة): شهد بدراً والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين حديثاً اتفقا - أي البخاري ومسلم - على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن له في صحيح البخاري خمسة وثمانين حديثاً. وقال في الإصابة: أحد السابقين الأولين، أسلم قديماً وهاجر الهجرتين وشهد بدراً والمشاهد بعدها، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم وكان صاحب نعليه، وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالكثير.

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) رجال الإسناد الثمانية كلهم كوفيون، فهو مسلسل بالرواة الكوفيين، وهو من سداسيات صحيح مسلم.

(2) رجال الإسناد كلهم اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلاّ شيخ مسلم أبا بكر بن أبي شيبة فلم يخرج له الترمذي.

(3) في الإسناد راويان اشتهرا بالكنية وهما: أبو بكر بن أبي شيبة - واسمه عبد الله بن محمد - وأبو معاوية - واسمه محمد خازم -.

(4) في الإسناد راو اشتهر بلقبه وهو الأعمش واسمه سليمان بن مهران.

(5) في الإسناد راويان وصفا بالتدليس وهما: أبو معاوية وشيخه الأعمش، وقد صرحا بالتحديث في رواية هذا الحديث، أما الأعمش ففي (صحيح البخاري) في (كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:( َواتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) وأما أبو معاوية ففي مسند الإمام أحمد وتقدم سياقهما في التخريج.

(6) في الإسناد ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: الأعمش وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس. وقد قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عند ذكر إسناده: هذا إسناد رجاله كوفيون، كلهم حفاظ متقنون في نهاية الجلالة، ومنهم ثلاثة أئمة جلة فقهاء تابعيون بعضهم عن بعض: سليمان الأعمش وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس. وقل اجتماع مثل هذا الذي اجتمع في هذا الإسناد، والله أعلم.

(7) هذا الحديث رواه البخاري في ثمانية مواضع من صحيحه، وقد اتفق موضعان منها سنداً ومتناً شيخه فيهما قتيبة بن سعيد، أحدهما في تفسير (سورة لقمان، باب(لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)). والثاني في (كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة)، وهذا من المواضع القليلة في صحيح البخاري التي لا تبلغ ثلاثين موضعاً، وقد ذكرت بعض أمثلة منها عند الكلام على الحديث التاسع، والحديث السادس عشر، والحديث التاسع عشر من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.

(8) من الطرق الأخرى التي خرَّج مسلم الحديث منها روايته إياه عن شيخه أبي كريب عن ابن إدريس عن الأعمش قال بعد ذكر هذه الطريق: قال أبو كريب: قال ابن إدريس: حدثنيه أوّلا أبي عن أبان بن تغلب عن الأعمش ثم سمعته منه انتهى. وهذا يفيد أن هذه الطريق عالية إذ نقص فيها رجلان بالنسبة لطريق أبيه وهما أبوه وأبان بن تغلب.

(9) في الإسناد فقيهان نخعيان وهما: إبراهيم بن يزيد النخعي وخاله علقمة بن قيس النخعي.

(10) في الإسناد رواية الأعمش عن شيخه إبراهيم النخعي عن شيخه علقمة بن قيس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد وصفت هذه السلسلة بأنها أصح الأسانيد، وصفها بذلك يحيى بن معين، قال أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث): وفيما نرويه عن يحيى بن معين أنه قال: أجودها - يعني الأسانيد - الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله.

المبحث الرابع: شرح الحديث:

(1) هذا الحديث فيه أن آية لقمان وهي قوله: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها، وفي بعض روايات هذا الحديث التي تقدمت في التخريج عند البخاري في (كتاب الإيمان) وغيره ما يفيد أن سؤالهم هذا هو سبب نزول آية لقمان، وقد أشار الحافظ ابن حجر في (الفتح) إلى الجمع بين هذه الروايات: بأنه يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم، فتلتئم الروايتان.

(2) الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ولا شك أن من جعل العبادة لغير الله فقد وضعها في غير موضعها وصرفها عمن لا يستحقها سواه سبحانه وتعالى، إلى من لا يستحقها بحال من الأحوال وهو المخلوق المربوب المدبر، الذي كان بعد أن لم يكن والذي ليس له من نفسه إلا العدم لولا إيجاد الله تعالى له.

(3) قوله: شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فالصحابة رضي الله عنهم حملوا الظلم على عمومه، والمتبادر إلى الأفهام منه وهو وضع الشيء في غير موضعه، وهو مخالفة الشرع فشق عليهم، إلى أن أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمراد بهذا الظلم، قال الخطابي: ((إنما شق عليهم، لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد معناه الظاهر، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن جعل العبادة لغير الله فهو أظلم الظالمين)).

(4) قال الحافظ في (الفتح): فإن قيل: فالعاصي قد يعذب، فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب: أنه آمن من التخليد في النار، ومهتد إلى طريق الجنة، والله أعلم. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الإيمان) بعد أن ذكر أن الظلم ثلاثة أنواع: الشرك، وظلم العبد نفسه، وظلم العباد بعضهم بعضاً. قال: ((فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقاً، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه، وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إنما هو الشرك. أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف، لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، من غير عذاب يحصل لهم، بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولابد لهم من دخول الجنة)).

(5) قوله: (وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم) ، قال الحافظ في (الفتح): أي لم يخلطوا، تقول: لبَسْت الأمرَ بالتخفيف ألبسه بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل أي خلطته، وتقول: لبِست الثوبَ ألبَسه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل.

(6) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

(1) بيان عظم الشرك بالله وأنه أظلم الظلم وأبطل الباطل.

(2) تفسير القرآن بالقرآن.

(3) أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه.

(4) ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الرغبة في الخير والحذر من الشر.

(5) أن العام يحمل على عمومه حتى يرد دليل الخصوص.

(6) أن النكرة في سياق النفي تعم.

(7) حمل العام على الخاص.

(8) أن الظلم درجات أعظمها وأشدها خطراً الشرك بالله.

(9) أن من لم يشرك بالله مهتد وله الأمن.

(10) أن من أشرك بالله فهو ضال وغير آمن.

(11) أن المعاصي دون الشرك وتختلف في الحكم عنه.

(12) تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.

(13) تسمية الشرك ظلماً ووصفه بأنه عظيم.

(14) أن الظلم في الآية من العام المراد به الخصوص.

(15) تحذير المسلم من الوقوع في الشرك ليكون مهتدياً آمناً.

(16) اعتبار مفهوم الصفة وبيان أنه حُجة.