بحث عن بحث

 

حديث ( من دعا إلى هدى )

 

 

قال الإمام مسلم رحمه الله في آخر كتاب العلم من صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وابن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل ـ يعنون ابن جعفر ـ عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ?صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)).

المبحث الأول: التخريج:

انفرد مسلم عن البخاري بإخراج هذا الحديث، فأخرجه في هذا الموضع من صحيحه ولم يكرره، وأخرجه أبو داود في سننه في (كتاب السنة، باب لزوم السنة) فقال: حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا إسماعيل ـ يعني ابن جعفر ـ قال أخبرني العلاء ـ يعني ابن عبد الرحمن ـ عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فذكره بمثل لفظ مسلم، وأخرجه الترمذي في جامعه في (كتاب العلم، باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة)، فقال: حدثنا عليّ بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره بمثل لفظ مسلم إلا أن فيه (يتبعه) بدل (تبعه)، ورواه ابن ماجه في أوائل سننه (باب من سن سنة حسنة أو سيئة) قال فيه: حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكره بمثل لفظ مسلم إلا أن فيه (اتبعه) بدل (تبعه)، وفيه (من دعا إلى ضلالة فعليه من الإثم) بدل (كان عليه من الإثم).

وله شواهد كثيرة منها حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه بلفظ: ((من سَنَّ في الإسلام سُنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء)) أخرجه مسلم في (صحيحه) من طرق متعددة عنه، وأخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه. ومنها حديث حذيفة رضي الله عنه بنحو حديث جرير، رواه أحمد والحاكم. ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه ابن ماجه. ومنها حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك، ومن سَنَّ سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ومن مات مرابطاً جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة))، رواه الطبراني في (الكبير) بإسناد لا بأس به كما في (الترغيب والترهيب) للمنذري. ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أوّل من سَنَّ القتل))، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((الدال على الخير كفاعله)) رواه البزار من حديث أنس. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله أو قال عامله)) رواه مسلم وغيره. وقد ذكر هذه الشواهد وغيرها الحافظ المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب).

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ مسلم يحيى بن أيوب: قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): يحيى بن أيوب المقابري بفتح الميم والقاف ثم موحدة مكسورة البغدادي العابد، ثقة من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ وله سبع وسبعون سنة، ورمز لكونه من رجال مسلم وأبي داود ومن رجال البخاري في خلق أفعال العباد والنسائي في مسند عليّ. وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): يحيى بن أيوب العابد أبو زكريا البغدادي سمع إسماعيل بن علية، وإسماعيل بن جعفر، ومروان بن معاوية، وعباد بن عباد، وهشيماً، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وخلف بن خليفة. روى عنه مسلم في غير موضع، وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) شيئاً من ثناء الأئمة عليه، ونقل توثيقه عن الحسين بن فهم وابن قانع.

الثاني: شيخ مسلم قتيبة بن سعيد: وهو قتيبة بن سعيد بن جميل ـ بفتح الجيم ـ ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني ـ بفتح الموحدة وسكون المعجمة ـ يقال اسمه يحيى وقيل عليّ، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة أربعين ـ أي بعد المائتين ـ عن تسعين سنة. قاله الحافظ في (التقريب)، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): ابن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم البغلاني، بغلان بلخ، يكنى أبا رجاء. سمع الليث بن سعد، وإسماعيل بن جعفر، وسفيان بن عيينة، وغيرهم سماهم عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وقال: روى عنه البخاري ومسلم في غير موضع في الصحيحين. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) أسماء كثير ممن روى عنهم، وممن رووا عنه، وكثيراً من ثناء الأئمة عليه وتوثيقه عن ابن معين، وأبي حاتم، والنسائي، والحاكم، ومسلمة بن قاسم.

الثالث: شيخ مسلم ابن حجر: وهو عليّ بن حجر ـ بضم أوله ـ ابن إياس السعدي أبو الحسن المروزي الحافظ، عن شريك، وإسماعيل بن جعفر، ومعقل بن زياد، وهشيم، وخلائق. وعنه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي ووثقه، مات سنة أربع وأربعين ومائتين. قاله الخزرجي في (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)، ورمز لكونه من رجال البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

وقال الحافظ في (التقريب): المروزي نزيل بغداد ثم مرو، ثقة حافظ من صغار التاسعة، مات سنة أربع وأربعين ـ أي ومائتين ـ وقد قارب المائة أو جاوزها. وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عليّ بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرخ أبو الحسن السعدي المروزي. ونقل الحافظ في (تهذيب التهذيب) شيئاً من ثناء الأئمة عليه وتوثيقه عن النسائي والحاكم.

الرابع: شيخ شيوخ مسلم إسماعيل بن جعفر: قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القارئ، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة ثمانين ـ أي بعد المائة ـ ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الخزرجي في (الخلاصة): الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني القارئ أحد الكبار. عن عبد الله بن دينار، والعلاء بن عبد الرحمن، وحميد. وعنه قتيبة، وعليّ بن حجر، ويحيى بن يحيى. له نحو خمسمائة حديث، وثقه أحمد بن حنبل، توفي سنة ثمانين ومائة. ونقل الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن أحمد وأبي زرعة، والنسائي، وابن معين، وابن سعد، وابن المديني، والخليلي، والحاكم.

الخامس: العلاء: وهو ابن عبد الرحمن، قال الحافظ في (التقريب): العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي ـ بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف ـ أبو شبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة، المدني صدوق ربما وهم من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ـ أي بعد المائة ـ ورمز لكونه من رجال مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في (جزء القراءة خلف الإمام).

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): الحرقي مولى الحرقة المدني، وحرقة من جهينة. وذكر في (تهذيب التهذيب) جماعة روى عنهم منهم: أبوه وابن عمر، وأنس، وجماعة رووا عنه منهم: ابن جريج، ومالك، والسفيانان، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، وغيرهم. ونقل بعض كلام الأئمة فيه وتوثيقه عن أحمد، وابن سعد، وقال في ختام ترجمته: وقد أخرج له مسلم من حديث المشاهير دون الشواذ. وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث.

السادس: أبو العلاء: وهو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، مولى الحرقة ـ بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف ـ ثقة من الثالثة. قاله الحافظ في (التقريب) ورمز لكونه من رجال مسلم، والأربعة، والبخاري في (جزء القراءة خلف الإمام).

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع أبا هريرة، روى عنه ابنه العلاء في غير موضع ـ أي في صحيح مسلم ـ، وفي (تهذيب التهذيب): قال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في (الثقات). وذكره ابن المديني مع الأعرج وغيره من أصحاب أبي هريرة. وقال العجلي: تابعي ثقة انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.

السابع: صحابي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه وقد تكرر ذكره.

المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديث ثلاثة من رجال الإسناد وهم: أبو هريرة رضي الله عنه، وإسماعيل بن جعفر، وقتيبة بن سعيد.

(2) رجال الإسناد مدنيون إلا شيوخ مسلم الثلاثة: فيحيى بغدادي، وقتيبة بغلاني بغلان بلخ، وعليّ بن حجر مروزي.

(3) العلاء بن عبد الرحمن وأبوه تابعيان مدنيان، اتفقا في أنهما معاً من رجال مسلم والأربعة والبخاري في (جزء القراءة خلف الإمام).

(4) قتيبة هو الرجل الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في الكتب الستة، ولهذا لا لبس في عدم نسبته لو لم ينسب لعدم المشارك له في هذا الاسم.

(5) هذا الإسناد بهذا السياق من أوله إلى آخره يرد ذكره كثيراً في (صحيح مسلم)، ومن الأحاديث التي رواها مسلم بهذا الإسناد حديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)).

(6) في الإسناد أربعة من الموالي وهم: قتيبة بن سعيد، وإسماعيل بن جعفر، والعلاء بن عبد الرحمن وأبوه.

(7) القائل: (يعنون ابن جعفر) في الإسناد مسلم، وضمير الجمع يرجع إلى شيوخه الثلاثة، قال ذلك للإيضاح والبيان، ولم ينسبه دون أن يقول: (يعنون) لأن شيوخه عند التحديث لم ينسبوه، فلو نسبه كان ناسباً إليهم ما لم يقولوه، وهذا هو الغاية في الدقة والأمانة في النقل.

المبحث الرابع: شرح الحديث:

(1) هذا الحديث يدل دلالة واضحة على عظم مثوبة الدعاة إلى الله على بصيرة وهدى، كما يدل على عظم إثم من دعا إلى ضلالة، وأن على الإنسان أن يقوم بما يستطيعه من الدعوة إلى الحق ليحظى بهذا الثواب الجزيل الذي تفضل الله به لدعاة الهدى، كما أن عليه أن يكون على حذر من الضلالة والإضلال ليسلم من عواقبهما الوخيمة وأضرارهما العظيمة، ولما ذكر المنذري في (الترغيب والترهيب) جملة من الأحاديث في هذا المعنى ومن بينها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)). قال بعد ذلك: وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه والعمل به لهذا الحديث وأمثاله، وناسخ غير النافع مما يوجب الإثم عليه وزره ووزر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه والعمل به لما تقدم من الأحاديث من سن سنة حسنة أو سيئة، والله أعلم)). انتهى.

(2) قوله (من دعا إلى هدى، ومن دعا إلى ضلاله). عام يشمل الدعوة إليهما بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة، وتنكير المدعو إليه في الحديث يدل على شمول كل ما يطلق عليه أنه هدى وأنه ضلالة قلَّ أم كثر، كبر أم صغر.

(3) المراد بالهدى: كل مأمور به في كتاب الله عزوجل أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالضلالة: ما لم يكن على هدي الكتاب والسنة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)).

(4) قوله (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه). هذا هو جزاء الدعاة إلى الله على بصيرة. وقوله (لا ينقص ذلك). اسم الإشارة يرجع إلى هذا الجزاء. وقوله (كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه). بيان لعقوبة الدعاة إلى الضلالة، واسم الإشارة بعده يرجع إلى هذه العقوبة.

(5) قوله (لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً). وقوله (لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً). ضمير الجمع في أجورهم وآثامهم يعود إلى (من) الموصولة قبلهما باعتبار المعنى، وتنكير (شيئاً) في نهاية الجملتين في سياق النفي يفيد العموم والشمول للقليل والكثير، أي لا ينقص أي شيء قليلاً كان أو كثيراً، وإنما أتى بهذه الجملة بعد ذكر ثواب الدعاة إلى الهدى لدفع توهم أن أجر الدعاة يكون بالتنقيص من أجر أتباعهم، ففي ذلك إدخال السرور على الدعاة والمدعوين معاً. وأتى بالجملة الثانية بعد ذكر عقوبة الدعاة إلى الضلالة لئلا يتوهم أن عقوبة الدعاة، إنما هي بالتنقيص من عقوبة المستجيبين لدعوتهم، ففي ذلك حسرة على الدعاة والمدعوين معاً، لأن أوزار المدعوين ليست مقسومة بينهم وبين الذين أضلوهم، بل أوزارهم عليهم وعلى المضلين مثلها.

(6) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

(1) فضل الدعوة إلى الله عزوجل وعظم مثوبتها.

(2) خطورة الدعوة إلى الضلال وشدة مضرتها.

(3) الحث على طلب العلم النافع لتحصيل أهلية القيام بالدعوة على بصيرة وهدى.

(4) الترغيب في الدعوة إلى الهدى.

(5) الترهيب من الدعوة إلى الضلال.

(6) انتفاع الداعي إلى الحق باستجابة المدعوين وفعلهم ما دعاهم إليه من الخير.

(7) تضرر الداعي إلى الضلال باستجابة المدعوين وفعلهم ما دعاهم إليه من الشر.

(8) استمرار وصول الثواب للداعي إلى الله في حياته وبعد مماته باستمرار الانتفاع بدعوته.

(9) استمرار وصول الإثم للداعي إلى الضلال في حياته وبعد مماته باستمرار تضرر المدعوين بدعوته.

(10) أن الحق له دعاة يدعون إليه وكذلك الباطل له دعاة.

(11) الجمع بين الترغيب والترهيب فعند الترغيب في الخير يذكر معه الترهيب من الشر.

(12) أن كل نوع من أنواع الهدى كبيراً كان أو صغيراً يثاب عليه الداعي إليه بمثل أجور المنتفعين بدعوته.

(13) أن كل نوع من أنواع الضلال كبيراً كان أو صغيراً يعاقب عليه الداعي إليه بمثل آثام المتضررين بدعوته.

(14) أن الأجر الذي يحصل عليه الداعي إلى الحق بانتفاع المدعوين بدعوته ليس منقوصاً من أجورهم.

(15) أن الإثم الذي يحصل عليه الداعي إلى الضلال بتضرر المدعوين بدعوته ليس منقوصاً من آثامهم.

(16) أن الداعي إلى الضلال لا يحمل أوزار الذين تسبب في إضلالهم بل هي عليهم لفعلهم وعليه مثلها لتسببه.

(17) أن للرسول صلى الله عليه وسلم مثل أجور أمته من حين بعثه الله إلى قيام الساعة، لأن كل خير عرفته أمته إنما هو بدعوته وإرشاده صلوات الله وسلامه عليه، وإذاً فأي إنسان يحب أن يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم زيادة ثواب بسببه، عليه أن يكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان. وعليه أن يفعل ما أرشد إليه من أفعال الخير ويبتعد عما حذّر منه من الشر ويتخذه صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة فيما يأتي ويذر، فإن الله يثيب نبيه صلى الله عليه وسلم بمثل ثواب الذي وفقه الله للانتفاع بدعوته والسير على نهجه صلى الله عليه وسلم ، لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي دلَّ أمته على كل خير وحذّرها من كل شر، ومن دلَّ على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً كما نطق بذلك الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان عليه وعلى إخوانه النبيين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين وعلى جميع من سار على نهجه القويم إلى يوم الدين.

(18) بيان فضل السلف على الخلف، لأنَّ كل خير عند الخلف إنما وصل إليهم بواسطة السلف.

(19) تنبيه المدعوين إلى اتباع دعاة الهدى والحذر من دعاة الضلالة.

(20) أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء، لأن حياتهم التي نوه الله بذكرها في القرآن من جملة أجورهم، وهم إنما جاهدوا في سبيل الله حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه بدعوته وإرشاده صلى الله عليه وسلم ، فله صلى الله عليه وسلم في قبره حياة أكمل من حياتهم.