بحث عن بحث

   ثالثًا: ومن مسئوليتها عن نفسها قيامها بالعمل الصالح.

     والعمل الصالح هو الذي دلّ عليه الدليل من القرآن الكريم أو من السنة النبوية.

     ويتنوع العمل الصالح من حيث حكمه إلى فرائض ومستحبات، ومن حيث نوعه إلى نوع قاصر نفعه على الشخص نفسه، ونوع يتعدى نفعه إلى الآخرين.

     إن من بدهيات ما قرره الإسلام أن المرأة مسئولة عن عملها وأنها تجازى وتحاسب عليه، وقد سبق ذكر الآيات الدالة على ذلك، مثل قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) [آل عمران:195].

     وقال سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)[النساء:124].

     وقال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97].

   إن من مسئوليات المرأة المسلمة إضافة إلى الإيمان والعلم أن تعمل بمقتضى هذا العمل، وأنه لا يحصل لها النتائج والثمار في الدنيا والآخرة إلا بهذا العمل، قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك:1،2].

     قال عياض: أحسنه: أخلصه وأصوبه.

     فقررت الآيات شرطين لقبول العمل:

-        الإيمان، والإخلاص لله وحده وتسخير الأعمال كلها له.

-        العمل الصالح. ولا يكون صالحًا إلا إذاكان وفق ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم .

     وحددت جزائين للعمل: في الدنيا: الحياة الطيبة. وفي الآخرة: الجنة.

     والمرأة المسلمة يجب عليها القيام بهذا العمل، فإن كان فريضة كالصلاة المفروضة والزكاة المفروضة، وصيام شهر رمضان، والحج مرة في العمر إن استطاعت، وسائر الواجبات الأخرى. فعليها أن تقوم به دون أي إخلال أو تقصير أو تكاسل أو تهاون..

     أما ما كان غير فريضة من النوافل والمستحبات التي امتن الله سبحانه بها على عباده المؤمنين، فينبغي أن تأخذ من كل منها بنصيب وافر لأمور:-

-         أنها تجبر النقص الذي حصل في الفرائض.

-         وتكفر السيئات والذنوب التي تقع فيها في سائر أيامها.

-         وترفع الدرجات.

-         وتنافس الصالحين والصالحات بذلك.

     والمرأة المسلمة العاقلة هي التي تجعل لها نصيبًا من هذه النوافل صلاةً وصيامًا وإنفاقًا وحجًّا وعمرة ودعوة وأمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر وبرًّا وإحسانًا وغيرها.

     وينبغي لها أن تحرص على النوع أيضًا فتأخذ من الأعمال النوافل التي يقصر نفعها عليها، ومن الأعمال التي يتعدى نفعها إلى الآخرين، وعند تعارض الأعمال تقدم ما فيه نفعٌ للآخرين، فإذا تعارضت وزادت الأعمال مثل قراءة القرآن الكريم، أو إقراء القرآن وتعليمه فلا شك أنها تقدم العمل الذي يتعدى نفعه وهو العمل الآخر.

     ومن هنا أقول: من واجب المرأة المسلمة أن تبرمج أعمالها اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية، فتضع لها جدولاً تقريبيًّا لممارسة أعمالها والقيام بها، والتوازن في ذلك، حتى تعبد الله على بصيرة من أمرها.. وهكذا، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في خاتمة البحث.

     وبعد: فيندرج تحت العمل الصالح ما يلي:-

-         القيام بأركان الإسلام الخمسة فتصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، تحافظ عليها بشروطها وواجباتها وما تستطيع من مستحباتها.

-         وتزكي مالها إن كان لديها مال تجب فيه الزكاة.

-         وتصوم شهر رمضان.

-         وتحج في العمر مرة إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ومن الاستطاعة وجود محرم لها.

         قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا صَلَّت الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ)).

-         القيام بواجباتها الخاصة مثل المحافظة على حجابها الشرعي المفروضة، وهو تغطية سائر بدنها بما في ذلك الوجه واليدان عن الرجال الأجانب عنها، وكذا المحافظة على الستر والحشمة والعفة.

      والأدلة على ذلك متضافرة وكثيرة، قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب:32،33].

     وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) [الأحزاب:53]. وهذه الآية تعرف بآية الحجاب.

   فإذا كانت هاتان الآيتان نزلتا في حق زوجات المؤمنين على عفافهن وفي خير العصور فإن الحجاب لمن بعدهم أولى، يؤيد ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[الأحزاب:59] .

-         ومما يندرج في الأعمال الصالحة: النوافل والمستحبات الذي ندب إليها كل مسلم ومسلمة مما سبق بيانه من قراءة القرآن والأذكار ونوافل الصلاة والصيام والإنفاق.

-         وكذلك الآداب والأخلاق التي يجب أن تتمتع بها المرأة المسلمة كالصدق في القول والعمل وعدم الكذب والصبر، والتعامل الحسن مع الآخرين، والتلطف في القول، والبشاشة عند اللقاء، ومراعاة الآداب العامة في المشي والأكل والشرب، والنوم، والحديث، والمجالسة، وغيرها، فيجب على المرأة المسلمة أن تتمتع بتلك الأخلاق الفاضلة وأن تتأدب بتلك الآداب الحسنة.

-         ومن الأعمال الصالحة: الأعمال القلبية من محبة الله تعالى وخوفه ورجائه ومراقبته، ونحو ذلك.

-         ومنها: الأعمال التي يتعدى نفعها للغير من تعليم العلم، وإقراء القرآن، والمواعظ، والصدقة على الفقير، وإعانة المحتاج، ومواساة اليتيم والأرملة، وتنفيس الكربات، وتفريج الهموم، والأمر بالمعروف وغيرها مما سيأتي تفصيله أكثر إن شاء الله.

-         ومنها: المحافظة على الفرج واللسان وغض البصر، قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ...) [النور:31]

         وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: ((وحفظت فرجها)) في تعداد شروط دخول الجنة.

     ومن المؤسف أن حال كثير من المسلمات تساهلن في جوارحهن فأطلقن لعيونهن العنان فصرن يشاهدن الحلال والحرام في الجهاز والمجلة والسوق وغيرها، كما سمحن لألسنتهن بتناول أعراض المسلمين والمسلمات فوقعن في الغيبة والنميمة والكذب وغيرها.

-        ومنها: القيام بحقوق زوجها ويخص بالذكر لأهميته وعظم شأنه وتأكيد الرسول  صلى الله عليه وسلم  عليه، وأن حقه أهم حق بعد حقوق الله سبحانه وتعالى، ومن حقوق زوجها:-

     * إرضاؤه وعدم إسخاطه.

     * القيام بشؤونه الخاصة من ملبس ومأكل.

     * مراعاة نفسيته.

     * عدم إرهاقه بالطلبات وبخاصة إذا كان من ذوي الدخل القليل.

     * تشجيعه على عمل الخير.

     * دعوته إلى الله إذا كان مقصرًا ونصيحته بالرفق واللين.

     * تشجيعه على عمله ورفع معنويته.

     * التعاون معه على كل سبل التعاون.

     * فعل أوامره إلا إذا كان الأمر بمعصية.

     * عدم مجاراته في المعاصي.

     وغيرها مما سيأتي من التفصيل إن شاء الله.

***   ***   ***

     رابعًا: مما يندرج تحت مسئوليتها عن نفسها حماية نفسها من المعاصي والمهلكات وسد منافذ الشيطان، والتغلب على الهوى والشهوات، ومما يذكر هنا بخصوص مما وردت به النصوص:

-         الحذر من التساهل في أمر العبادة المباشرة مع الله سبحانه وتعالى كالتساهل في الصلاة وفي الصيام، وبالذات عدم الصلاة في أوقاتها.

-         الحذر من ضعف النفس وعدم الثقة بالله سبحانه وتعالى واتباع السحرة والمشعوذين والدجالين والكهنة وقراء المستقبل ونحوهم من أهل الكفر والفسق والضلال، وللأسف أن أكثر المترددين على هؤلاء من النساء.

-         البعد عن المعاصي جملة وتفصيلاً، صغيرها وكبيرها، والحذر من الوقوع فيه وقد تكاثرت النصوص الآمرة بذلك، فما من نص يأمر به بالطاعة إلا ويحذر عن المعصية صراحة أو مضمونًا.

-         الحذر من الوقوع في أعراض المسلمات مما انتشر بين كثير من النسوة، فأصبحت فاكهة المجالس الغيبة والنميمة وقول الزور والتعليق على فلان وفلانة.

-         الحذر من التساهل في اللباس والمظهر بعامة مما هو منتشر بين كثير من المسلمات فصرن يلبسن القصير والمشقوق والشفاف، وعاري الأكمام وما يلفت النظر، وما تقلد به الكافرات.

-         الحذر من الوقوع في تقليد ومشابهة الكافرات في المظهر والمخبر، ومن الإعجاب بهن، واتباع الموضة الواردة منهم، فأصبحت كثير من نساء المسلمين يتبعن كل ناعق وناعقة في شكل الشعر واللباس وغيرها.

هذه نماذج ما يجب أن تحذر منه المرأة المسلمة، وكما تثاب على فعل الطاعة فهي تثاب على ترك المعصية، فمسئوليتها تجاه ترك المعصية عظيمة كمسئوليتها في فعل الطاعة.