بحث عن بحث

دعاء الأنبياء لمكة المكرمة بأن تكون ركن التوحيد

1- دعاؤه عليه السلام بالأمان لمكة المكرمة وبيت الله الحرام، وفي هذا الدعاء غاية عظمى للأمة، حيث لا تكون هناك عبادة ولا طاعة ولا توحيد لله وحده في حالة الخوف، لذا كان لا بد من هذا الأمن لترسيخ مبدأ التوحيد في الأرض وإعلانه للناس كافة، ونبذ كل ما يخالف هذا المبدأ من العقائد الباطلة والشركيات وغيرها، وقد تحقق هذا الدعاء إلى الآن والحمد لله، وقد ذكره الله تعالى في كتابه في سورة قريش: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴿1 إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿2 فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿3 الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.

2- دعاؤه عليه السلام لأهل هذه البقعة المباركة بالرزق الواسع والثمر الطيب الكثير، وتأمين حاجاتهم وتيسير أمورهم، ولكن هذا الدعاء لا يشمل كل أهل هذه البلدة، وإنما للمؤمنين منهم، فربط هذا الدعاء بالإيمان وتوحيد الله تعالى:  ﴿ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، وهذا فيه ربط بين الرزق الوفير والعقيدة الصحيحة.

3- دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ربهما بأن يتقبل منهما أعمالهما، من إقامة البيت ورفع قواعده، وسائر أعمالهم وأقوالهم، وأن هذه الأعمال والأقوال ما كانت إلا موجهة للواحد الأحد الذي ينفرد بالألوهية والربوبية في هذا الكون، لذا دَعَواهُ راجيَينِ القبول والرضى: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾، فهو السميع لدعائهما، والعليم بأعمالهما.

4- دعاؤهما ربهما بأن يجعلهما مسلمَينِ له، وهو الدعاء الذي ورثته الأمة عن أنبياء الله، وقد ورد هذا الدعاء في كتاب الله كثيرًا، لأهميته ومدى ارتباطه بالتوحيد، لأن المسلم لا يتوجه لأحد إلا لله، ولا يعمل إلا لله، ولا يقدم قربانًا إلا لله، لذلك كان هذا الدعاء العظيم، من هذين النبيين الكريمين عليهما الصلاة والسلام، ثم إنهما لم يدعوا لأنفسهما فحسب، بل لذريتهما من بعدهما وهذا هو شأن أنبياء الله جميعًا، يعيشون لأمتهم، ويدعون لأمتهم، ويؤذَون ويتعذبون من أجل أمتهم، والله سبحانه وتعالى استجاب لهذا الدعاء العقدي المهم، فقد كان من ذرية إبراهيم عليه السلام إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف عليهم الصلاة والسلام، حتى سمّي بأبي الأنبياء.

5- دعاؤهما عليهما الصلاة والسلام ربهما ببيان مناسك الحج، من الطواف والوقوف بعرفة والرمي والسعي والمبيت وغيرها، من الأمور التي ترسخ من عقيدة التوحيد في النفوس، وتنفي غيرها مما اعتنقه الجاهليون من الأعمال الوثنية والشركية، ثم طلبا التوبة لأنفسهما، لأنها مسح للذنوب والخطايا والزلات، وهو غاية معظم حجاج بيت الله الحرام، ليرجعوا إلى بيوتهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، والله تعالى يقبل منهم توبتهم واستغفارهم، ويرجعهم إلى بيوتهم كما ولدتهم أمهاتهم، حيث يقول لهم: أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم.

6- دعاؤهما عليهما الصلاة والسلام للأمة من بعدهم بأن يبعث الله فيهم رسولًا يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، ويخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن شقاء عبادة العباد إلى سعادة عبادة رب العباد وحده، على أن يكون هذا الرسول من أنفسهم، معروفًا بينهم من صغره، صفحته ناصعة عندهم، لم يجربوا عليه كذبًا ولا خيانة، وقد تحقق هذا الدعاء في بعثة محمد  صلى الله عليه وسلم ، وبالشكل الذي أراده هذان النبيان عليهما الصلاة والسلام، يقول تعالى في هذا النبي  صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾.

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: قلت يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأتْ أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام».

وأخيرًا فإن التوحيد يتجلى واضحًا في الدعاء بالحج عامة، وفي دعاء أبي الأنبياء وابنه عليهما الصلاة والسلام، من خلال الآيات الواردة في قصة بناء البيت، الذي كان الانطلاقة الأولى لأداء فريضة الحج ومعرفة مناسكها، بالإضافة إلى الأدعية الأخرى التي علّم الرسول  صلى الله عليه وسلم  أمته في كل الأوقات، وفي أيام الحج خاصة، لا سيما عند الوقوف بعرفة، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، فهذا الدعاء يمكن أن نسميه دعاء التوحيد، فهل يعي الحاج ذلك؟ هذا هو المؤمل من كل حاج.