بحث عن بحث

التوحيد وفضائل الحج

لقد بيّن الله تعالى لعباده القصد من أداء نسك الحج بالصورة المرسومة لنا في سورة الحج، عندما أمر نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام بعد بناء البيت بالأذان فيه بالحج، فقال جل ذكره: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿27 لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿28 ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿29 ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾.

فيتبين من خلال هذه الآيات الكريمات فضائل كثيرة ومهمة، منها دنيوية تتعلق بمصالح الناس ومنافعهم أثناء أداء هذه العبادة وبعدها، ومنها أخروية تتعلق بما يترتب عليها من أجر وثواب ومغفرة وبالتالي جنة الله ورضوانه، ونذكر بعض هذه الفضائل مع علاقتها بتوحيد الله تعالى.

1- في الحج تبادل المنافع والمصالح بين المسلمين من شتى البلاد، وعرض للسلع والمنتوجات في هذه البلاد.

ولا يستغرب أحد هذا الأمر في الحج لكونه نسك عبادة وذكر، فإن ذلك لا يمنع الاستفادة فيه ماديًا، وقد أباحه الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ في مواسم الحج.

وقد قرأ ابن عباس رضي الله عنه هذه الآية ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات».

فهذه الأدلة وغيرها كافية للقول بجواز التبادل التجاري في موسم الحج.

وهذه من منافع الحج الدنيوية التي أشار إليها القرآن في الآية الكريمة السابقة.

2- أما المنافع الأخروية، ففي الحج مغفرة للذنوب والخطايا ما لم تشوبه المعاصي، وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأن الحاج يعود بعد الحج كيوم ولدته أمه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

والحج يجبّ ما قبله من الآثام والمعاصي، فعن عبد الرحمن بن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو في سياقة الموت يبكي طويلًا، قال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي  صلى الله عليه وسلم  فقلت: ابسط يمينك فلأبايعنك فبسط يمينه، فقبضت يدي، قال: «مالك يا عمرو؟» قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يُغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟».

وهذا لا يكون إلا للحج المبرور، والمبرور: الخالص من الشوائب، الـمُخلَص لله سبحانه، وعلى هدي رسوله  صلى الله عليه وسلم .

3- وفيه إحياء للأخلاق الكريمة الفاضلة، والروح الإسلامية السمحة، ويظهر ذلك من خلال أكبر تجمع عالمي في مكان واحد، يصل عدد الحجاج فيه أحيانًا أكثر من مليوني حاج ما بين قوي وضعيف، رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا، يختلفون في العادات والتقاليد، والذوق والتفكير، رغم كل هذا لا تنشب بينهم نزاعات ومشاجرات، ولا جدال ولا مخاصمات، في هذا الموقف العظيم المبارك تتجلى أخلاقيات أمة الإسلام جلية للعالم بأسره، وتتجلى سماحة هذا الدين للقاصي والداني، ولو أن أية أمة أخرى اجتمعت في مثل هذا الموقف وبهذا العدد الهائل وهذا التعقيد البشري المتنوع بالعادات والتقاليد، لما خلا أمرهم من القتل والضرب والسباب وغيرها، وفي هذا شهادة ووسام لهذه الأمة الخيرة التي وصفها الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ كل ذلك امتثالًا منهم لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾، ولقوله  صلى الله عليه وسلم : «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».

4- في الحج تستجاب الدعوات، لتوافر بعض عوامل قبول الدعاء من الشعث، والسفر، وكذا فيه الأماكن التي لها منزلة وحرمة عند الله تعالى في عرفة والمسجد الحرام أمام الكعبة وعند الطواف والسعي وغيرها من المواقع المباركة، وكذا زمنه زمن خير ورحمة فهو أيام معلومات ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ففيه يوم عرفة، وأيام منى، ووقت الطواف والسعي، ويقول الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام في هذا: «الحجاج والعمّار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم» ويقول: «رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره».

5- في الحج تذكير باليوم الآخر، ووقفة الحشر، عندما يظهر الحجاج بملبس واحد في صعيد واحد، مع بيان أشكالهم واختلاف أعراقهم ومناصبهم، يقفون بين يدي العزيز الجبار، وقد هدّهم التعب، وأنهكتهم التنقلات والأسفار، ولفحت جلودهم حرارة الشمس، يرجون رحمته وغفرانه، فهذا الموقف صورة تذكر بيوم الحشر الذي لا يعرف فيه خليل خليله، ويفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤيه، فالكل حاسر الرأس والشمس قريبة منهم، وينتظرون الجزاء إما الجنة وإما النار.

وهذا – أعني التذكير باليوم الآخر – من أعظم الدلائل للإيمان والتوحيد وترسيخه في النفوس.

6- في الحج يتحقق مبدأ المساواة بين الناس غنيهم وفقيرهم، حاكمهم ومحكومهم، أبيضهم وأسودهم، فتذوب كل العلاقات والوجاهات، والأنساب والمناصب، وتتلاشى الفوارق الطبقية والعرقية واللونية، فلا يظهر في الحج إلا آصرة العقيدة والدين التي هي الشريان الحي المتدفق الذي يوصل المسلمين من شتى الأصقاع بعضهم ببعض، بخلاف ما كان عليه المشركون من قبل أثناء أدائهم الحج، فقد كانت قريش تتخذ لنفسها مكانًا خاصًّا تميزها عن الآخرين في الحج، فلا يقفون في عرفات مع الناس، ولا يفيضون من حيث يفيض الناس إلى المزدلفة، وكان ذلك سببًا في تذكير الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

وعن عائشة رضي الله عنها: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه  صلى الله عليه وسلم  أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾.

وهذا من أعظم مبادئ هذا الدين الذي يظهر بصورة جلية في هذا الحج.

7 – الحج مؤتمر إسلامي عالمي، ينعقد في كل عام مرة واحدة، يتعارف فيه المسلمون على بعضهم، وينبغي أن يتداولوا بينهم أمورهم، وأن يعرضوا مشكلاتهم وأحوالهم، فيتشاور أهل العلم والذكر والرأي لوضع الخطط القويمة التي تنهض بالعالم الإسلامي وتوحد قوتهم وكلمتهم ضد ما يحاك عليهم من مكائد ومصائد من ملل الكفر قاطبة، وأنعم بهذا المؤتمر وأكرم به في ظل الإيمان الخالص، وبالقرب من بيت الله المحرم، وفي أحب الأزمان إلى الله وأحب البقاع، ولو استغل المسلمون هذا الموسم بالشكل المطلوب لتغيرت أحوالهم وتبدلت أوضاعهم، ولأبدلهم الله عزًّا من بعد ذل، وريادة من بعد التبعية والتقليد.

8 – وفي الحج إحياء للتوحيد، وتجديد له في النفوس، فكل أعمال الحج محيية لذلك، كما سيتضح جليًا في بقية الوقفات.