بحث عن بحث

القاعدة الرابعة:

ماذا أريد؟

إذا توفرت القاعدة الثالثة وهي العلم، تأتي الخطوة التالية لها وهي تصور الهدف والغاية، لأن الضبابية وعدم الوضوح في التصور يعيق عملية النجاح عند الإنسان، وتقف مانعًا لها، رغم أن هذا الإنسان قد يكون لديه العلم الغزير، والثقافة الواسعة، ولكنه غير واضح في تفكيره وتصوره لما يريد أن يحققه أو يصل إليه، فيموت هذا العلم بداخله ولا يستفيد منه أحد، لأنه مشتت الفكر، يسير في طرق متشعبة ومبتورة، يسلكها جميعًا من غير أن يكمل واحدة منها إلى النهاية، وهكذا يضيّع عمره ووقته من غير إنجاز أو إنتاج.

قال الله تعالى موضحًا أهمية الهدف ووضوحه: âقُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ á.

من أجل ذلك يجب أن يكون الهدف واضحًا لصاحبه في هذه المرحلة، ويدرك أهميته، وملاءمته له، كأن يجعل هدفه تحصيل أكبر قدر من أحد العلوم والتخصص فيه، كمن يصبح طبيبًا مثلًا ليداوي الناس ويخفف عنهم آلامهم وأوجاعهم، أو يصبح أستاذًا متخصصًا في اللغة والآداب ليعلّم الأجيال قواعدها وفنونها وأهمية المحافظة عليها، وهكذا.

النبي صلى الله عليه وسلم أنموذجًا :

كان النبي صلى الله عليه وسلم في حياته الأولى رافضًا لكثير من قيم المجتمع الجاهلي وأحواله، وما ينتشر فيه من التقاليد والعادات؛ فيذهب إلى غار حراء يتأمل ويتدبر ويتفكر ليالي طويلة، بحثًا عن هدف وغاية.

ولما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدد الهدف في تبليغ دعوة التوحيد للناس كافة، وأن يعبدوا الله حق عبادته، نجده صلى الله عليه وسلم شمّر عن ساعد الجد، واتضحت الرؤية لديه، ولم يعد إلى غار حراء مرة أخرى، بل اجتهد وجاهد لتحقيق هذا الهدف.

واستمرت حياته هكذا، عليه الصلاة والسلام، إلى أن بلغ هدفه المنشود وقد أوضح ذلك في حجة الوداع عندما خطب في الحجاج يوم عرفة وقال: «ألا هل بلغت» وهو يرفع أصبعه ويشير إلى الناس، فيجيبون بـ «نعم» قال: «اللهم فاشهد».

ومن هنا: يلزم مريد النجاح، أن يعرف ماذا يريد، لكي ينطلق في خطوة مهمة من خطوات النجاح.

عوامل صناعة الهدف :

من أهم ما يعين الإنسان على معرفة ما يريد تحقيقه ما يلي:

1 ـ معرفة الإنسان نفسه، والتعرف على ما منحه الله من القدرات العقلية والحسية والجسمية وغيرها.

2 ـ استشارة ذوي الخبرة في أي مجال يرى أنه مناسب له.

3 ـ دراسة أكثر من مشروع مقارب لمشروعه، للاستفادة من تصور الهدف.

4 ـ التأمل في الإيجابيات من الهدف العام الذي يتصوره، والمقارنة بينها وبين السلبيات المتوقعة.

معوقات وضوح الهدف :

قد تراود الإنسان أفكار وتصورات مفيدة، ويستطيع تحقيقها بيسر وسهولة، إلا أنها تموت في مهدها لدى بعض الناس، لأسباب نفسية داخلية، منها:

ـ حين يفكر الإنسان في الوصول إلى هدف معين، ولديه رغبة صادقة في ذلك، يأتيه إحساس كاذب من النفس ليقول له، إنك غير قادر على ذلك، وهذا الشيء خارج عن مستوى عقلك وقدراتك، فلا تُقْدم على هذا العمل لأنه سيأخذ من وقتك ومالك من غير أن تحقق نتيجة، أو يقول له: إن هذا الشيء لا يلائمك ولا يتناسب مع تخصصك، وهكذا. وهي وساوس وهمزات من الشيطان للنفس، حتى يتوقف الإنسان عن فعل الخير وإسعاد الناس، وهو ما يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليفعل».

ـ أما العامل النفسي الآخر الذي يؤدي إلى موت الأفكار والتصورات عند الإنسان هو النظر إلى الآخرين، أو تصوّر نظرة الآخرين إليه، والذي يسميه البعض «السم الحلو»، فيتخيل هذا الإنسان أنه إذا أقدم على إنجاز ذلك العمل أو تحقيق ما يتصوره وترجمته إلى الواقع، ربما ينظر إليه المجتمع ومَنْ حوله نظرة غير إيجابية، أو يتخيل أن هذا العمل ربما ينقص من شأنه ومكانته بين الناس، وهذا أيضًا من أمراض النفس ونزغات الشيطان التي تؤدي إلى الفشل والتراجع.

التغلب على المعوقات لوضوح الهدف :

للتغلب على هذه التخيلات والمعوقات لا بد من اتباع الخطوات التالية:

 أ ـ الاستعاذة بالله من همزات الشياطين ومن نزغاتهم ولمزاتهم، والتقرب إلى الله بتقديم الطاعات والأعمال الصالحة للانتصار تلك الوساوس والتخلص منها.

ب ـ اختيار مكان هادئ، وإحضار قرطاس وقلم، لكتابة التصورات والأفكار، حفاظًا عليها من النسيان والتشتت.

ج ـ الاستعداد النفسي الإيجابي، من خلال زرع الثقة في النفس، بأن الإنسان يمكن أن يحقق أي هدف أو يترجم أي تصور إلى واقع بما يتمتع به من قدرات عقلية وبدنية.

د ـ التفكر في حال الناجحين وأخذ العبرة منهم، وأن ما أنجزوا من أعمال، أو حققوا من نجاحات يمكن لغيرهم أن يفعلوا الشيء نفسه أو مثله، لأنهم جميعًا بشر، وعند كل واحد منهم القدرات الكافية لتحقيق ذلك، وأن تلك الأهداف لو كانت مستحيلة لما تمكنوا من الوصول إليها.

¡  ¡  ¡

وليكن القدوة الأولى والأسوة المثلى هو قائد الناجحين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بدأ بالدعوة إلى الله وحيدًا، ثم بعدد قليل من الصحابة رضوان الله عليهم، مقابل عالم يسوده الشرك والظلم والفساد، فنجح بفضل الله من نشر دعوته التي يؤمن بها الآن مئات الملايين من الناس في المعمورة.

ومن الأحداث التي ينبغي الاستفادة منها لتحقيق النجاح، والتي تعطي الأمل للإنسان وتدفع عنه اليأس قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع سراقة ط وهو في طريق الهجرة إلى المدينة وقوله له: «كيف بك يا سراقة وقد لبست سواري كسرى»، فهذا قمة التفاؤل في التصور لدى الإنسان.

وبناءً على ما سبق، فالتصور للهدف عند الإنسان هو نقطة الانطلاق إلى عالم النجاح والإنجاز، ومن غير التصور للهدف المنشود، يتيه الإنسان ويضيع في زحمة الآمال والأماني التي لا حدود لها، ويضيع عليه الوقت سدى.