بحث عن بحث

الثانية: فهم قواعد التصحيح والتضعيف :

هذه ثاني القواعد الفرعية لقاعدة التعامل مع النص من حيث ثبوته، وهي ثمرة للقاعدة السابقة إذ نتيجة معرفة قواعد الجرح والتعديل التوصل إلى الحكم على الحديث صحة وضعفًا.

وهذا النتيجة تتطلب ما يلي:

1 ـ أن يكون الرواة ثقاة من مبدأ السند إلى منتهاه، ونعني بالثقات أن يكونوا معروفين عينا وحالا، وأن يتوافر فيهم صفتان: العدالة والضبط، فالأولى: صفة دينية خلقية، والثانية: ذهنية علمية.

أن يكون السند متصل الحلقات، دون أي فجوة أو انقطاع بين راوٍ وآخر في أول السند، أو في وسطه، أو آخره.

3 ـ ألا توجد في متن الحديث أو سنده علة قادحة توجب رده، كأن يكون مخالفًا للعقول، أو مباينًا للنقول، أو مناقضا للأصول.

4 ـ ألا يكون الحديث شاذا، ومعنى الشذوذ: أن يكون سند الحديث صحيحًا، ولكن يخالف حديثًا رواته أوثق، أو أكثر، أو نحو ذلك، مما يجعل هذا الحديث ـ مع قوة سنده ـ مرجوحًا، بل مردودًا، والآخر راجحًا مقبولًا.

وهذا إنما يعرفه أهل الذكر والخبرة من علماء الحديث، ورجال السنة.

ومن هنا ينبغي لمن يطلب علم الدين أن يعرف ما لا يسع طالب العلم المسلم جهله من علم أصول الحديث، أو مصطلح الحديث، فيعرف معنى أن الحديث: صحيح أو حسن أو ضعيف أو شاذ أو مرسل أو معلق...إلخ.

وهنا سؤال مهم لطلاب العلم والمعرفة: هل يلزم معرفة تفاصيل هذه القواعد ولو لم يكن من المختصين؟

والإجابة على هذا السؤال تتخلص في أن لا يلزم جميعه، وإنما الذي يلزم هو التثبت من الصحة، والتثبت منها يكون بما يلي:

1- يتم بوجوده في أحد الكتب الذي عنيت بالصحيح، كصحيحي البخاري ومسلم ـ رحمهما الله تعالى ـ.

2- أو بأن ينص عالم معتبر من العلماء المختصين.

3- أن يتم بدراسة الإسناد والدارس أهل لذلك.

أما العبث الجاري من صغار طلاب العلم والتلاعب بالمصطلحات، فهذا من أهم أسباب الانحراف عن المنهج السليم في التعامل مع السنة النبوية والاستفادة منها.

إن الواجب الأهم على كل قارئ للأحاديث النبوية ـ وبخاصة إذا كان من أهل العلم ـ أن يتحرى غاية التحري، وأن يتثبت كل التثبت، قبل أن يحكم على حديث بالصحة والقبول، أو بالضعف والرد، ناهيك بالحكم عليه بالوضع والكذب وهذا ما قرره كبار الأئمة وفحول العلماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ينبغي أن تعرف الأدلة الشرعية إسنادًا ومتنًا، فالقرآن معلوم بثبوت ألفاظه، فينبغي أن يعرف وجوه دلالته، والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب، فإن طائفة ممن ينتسب إلى السنة، وعظم السنة والشرع ـ وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة ـ جمعوا أحاديث وردت في الصفات، منها ما هو كذب، معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها ما هو متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد وصنفوا مصنفات، ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث).

وقال في موضع آخر: «من لم يكن له عناية باتباع المرسلين، واقتفاء آثارهم، والاهتداء بأعلامهم ومنارهم، واقتباس النور من مشكاة أنوارهم، فإنه يجعل الحديث الصحيح ضعيفًا، والضعيف صحيحًا، والمعنى الحق باطلًا، والباطل حقًّا صريحًا، كما يوجد في كلام سائر الخارجين عن منهاج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان».

وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: (اعلم ـ وفقك الله ـ أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، ألا يروى منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقى منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه، قول الله تبارك وتعالى ذكره: âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ á [الحجرات: 6] وقال جل ثناؤه: âمِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِá [البقرة: 282] وقال: âوَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْá [الطلاق: 2].

فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذا كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين....»، ثم روى : بسنده عن عبد الله بن المبارك قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء».

قال القرطبي معلقًا على ذلك: الإسناد من الدين: «أي من أصوله، لأنه لما كان مرجع الدين إلى الكتاب والسنة، والسنة لا تؤخذ عن كل أحد، تعين النظر في حال النقلة واتصال روايتهم، ولولا ذلك لاختلط الصادق بالكاذب، والحق بالباطل، ولما وجب الفرق بينهما وجب النظر في الأسانيد، وهذا الذي قاله ابن المبارك قد قاله أنس بن مالك وأبو هريرة ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وهو أمر واضح الوجوب لا يختلف فيه».