بحث عن بحث

القاعدة الحادية عشر:

كيفية دراسة الإسناد

دراسة الإسناد تكون: بمعرفة تراجم الرواة من حيث ولادتهم، ووفاتهم، وشيوخهم، وتلاميذهم، وبلدانهم، وأقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم، ومعرفة المدلسين منهم، وإثبات سماعهم من شيوخهم، وكذلك كشف اتصال السند أو انقطاعه. وما يحتوي عليه الإسناد أو المتن من علة قادحة.

المقصود من هذه القاعدة بيان مفاتيح لطالب الحديث في دراسة الإسناد وإلا بلا شك فإن هذا الموضوع يحتاج إلى أمرين أساسيين:

الأول: القراءة المستمرة في كتب الرجال، والأحكام على الأحاديث، وكتب التخريج، ونحوها حتى يتشبع طالب الحديث بأقوال القوم وعملهم.

الثاني: التدريب العملي المستمر على يد من هو أعلم حتى يكون لدى الباحث القدرة العملية في التعامل مع هذه المهمة.

***

وبعد هذا المدخل نلج إلى بيان مراحل دراسة الإسناد، وهي:

الأولى: إخراج التراجم لرواة الإسناد من كتب التراجم.

وقد أفردت قاعدة مستقلة لهذه الكتب.

الثانية: يتنبه لكشف السند أو انقطاعه إلى ما يلي:

مواليد الرواة ووفياتهم، وكذلك بلدانهم ورحلاتهم.

وتراجم المدلسين لاسيما إذا عنعنوا ولم يصرحوا بالسماع.

وأقول الأئمة في سماع الرواة بعضهم من بعض أو عدمه.

الثالثة: يلاحظ بالنسبة لعدالة الرواة وضبطهم ما يلي:

ألفاظ الجرح والتعديل في كل ترجمة، سواء ما يتعلق منها بالعدالة أو الضبط، وتوضح هذه النقاط في مراتبها.

- وتعارض الجرح والتعديل في راو واحد، وكيفية العمل بهذا التعارض، وقد تقدم الحديث عن ذلك ولكن هناك ضوابط عامة ينبغي لطالب العلم مراعاتها نذكر رؤوس مسائلها، وهي:

1- اعتبار مناهج الأئمة في جرحهم وتعديلهم.

2- كل طبقة من طبقات النقّاد لا تخلو من متشدد ومتوسط أو حتى متساهل.

3- يتوقّف في قبول الجرح إذا خشي أن يكون باعثه الاختلاف في الاعتقاد أو المنافسة بين الأقران.

4- لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته.

5- لا عبرة بجرح ولا بتعديل لم يصح إسناده إلى الإمام المحكي عنه.

6- لا يُلتفت إلى الجرح الصادر من المجروح إلا إذا كان إمامًا.

7- لا يلتفت إلى جرح يغلب على الظن أن مصدره ضعيف.

8- يُتأنى في الأخذ بجرح الإمام المتأخر إذا عارض توثيق الأئمة المتقدمين ما لم يفسّره بما يجرح الراوي مطلقًا.

9- قد يقع الجرح بسبب الخطأ في النقل من الكتب.

10- من عُرِفَ من حاله بأنه لا يروي إلّا عن ثقة وُصِفَ من روى عنه بأنه ثقة عنده في الغالب.

11- الرواة الذين أخرج لهم الشيخان على قسمين:

12- تراعى اصطلاحات الأئمة فيما يطلقونه من ألفاظ الجرح والتعديل، وكذلك مصطلحاتهم في الكتب.

13- قد تختلف دلالة اللفظ جرحًا وتعديلًا باختلاف ضبطه.

14- قد يرد التوثيق والتضعيف من الأئمة مقيّدين إما بوقت معين أو في شيخ معين أو حال مخصوصة وغير ذلك؛ فلا يحكم بواحد منهما على الراوي بإطلاق:

الراوي في وقت دون آخر.

وتوثيق روايته من كتابه.

15- يراعى سياق الكلام الذي ترد أثناءه ألفاظ الجرح والتعديل وقرائن الأحوال التي اقتضت ورودها كورود التوثيق والتضعيف نسبيين فيكون ذلك موردًا للجمع بين الأقوال وللترجيح بين الرواة.

16- قد يرد إطلاق التوثيق عند المتقدمين أكثر شمولًا منه عند المتأخرين – أحيانًا – وهو عند المتأخرين أكثر تحديدًا لدرجة الراوي.

17- قد يتخصص الراوي في فن من فنون الرواية.

18- قد ترد ألفاظ الجرح والتعديل المنقولة من كتب المتقدمين مختصرة أو محكية بالمعنى في كتب المتأخرين فيؤثر ذلك في أحكامهم على الرواة.

19- يتأثر الجرح والتعديل الصادران من الأئمة المتأخرين بقدر اطلاعهم على أقوال المتقدمين في الحكم على الراوي.

20- لا يشترط في الرواة المتأخرين ما يشترط في المتقدمين من الضبط والإتقان.

الرابعة: ألا يحكم على الحديث قبل النظر في كتب العلل: لكشف العلة والشذوذ أو عدمها.

الخامسة: استحسان الاكتفاء - في الحكم على الحديث - بقول الباحث: «صحيح الإسناد» أو «حسن الإسناد» أو «ضعيف الإسناد».

السادسة: بعد هذا النظر تأتي المرحلة وهي موازنة الحديث أو الإسناد مع بقية المرويات ليحكم على المتن أيضًا.

ولنأخذ بعد ذلك مثالًا عمليًا على ذلك:

قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو خيثمة، ثنا بشر بن عمر الزهراني، ثنا مالك بن انس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أنت وهذا – يعني: العباس وعليا – تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا صدقة».

فيبدأ بدراسة الإسناد وأحوال الرجال باختصار، وهي كالتالي:

- أبو خيثمة: هو زهير بن حرب بن شدّاد النسائي، ثقة، ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو ابن أربع وسبعين، روى له الجماعة إلا النسائي.

- بشر بن عمر الزهراني – بفتح الزاى – الأزدي، أبو محمد البصري، ثقة، مات سنة ست ومائتين، روى له الجماعة.

- مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقين، وكبير المثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة تسع وسبعين ومائة، روى له الجماعة.

- ابن شهاب هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زَهْرة بن كِلَاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر، الفقيه، الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة، روى له الجماعة.

-مالك بن أوس بن الحَدَثان – بفتح الحاء والدال – النصري، أبو سعيد المدني، له رؤية، وروى عن عمر، مات سنة اثنتين وتسعين، روى له الجماعة.

الحكم عليه:

مما تقدم من أحوال الرجال يتبين أن الحديث بهذا الإسناد صحيح.

وعند دراسة المتن يذكر المرويات والأحاديث المشابهة ويقارن به.