بحث عن بحث

rثانيًا: الضبط :

هذه الصفة تؤهل الراوي لأن يروي الحديث كما سمعه، ومراد المحدثين بالضبط أن يكون الراوي متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالـمًا بما يحيل المعاني، ولذلك فأسباب الجرح في ضبط الرواة هي:

1- قبول التلقين: لا يقبل حديث من عرف بقول التلقين في الحديث، ومعنى التلقين أن يعرض عليه الحديث الذي ليس من مروياته، ويقال له: إنه من روايتك، فيقبله ولا يميزه، وذلك لأنه مغفل فاقد لشرط التيقظ، فلا يقبل حديثه.

2- رواية الشواذ والمناكير: لا تقبل رواية من كثرت الشواذ (أي المخالفات) والمناكير (أي التفرد الذي لا يحتمل منه) في مروياته، قال شعبة: «لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ» وعلة هذا أنه يدل على عدم حفظه.

3- كثرة السهو: لا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل مكتوب صحيح، لأن كثرة السهو تدل على سوء الحفظ أو التغفيل فلا يكون الراوي ضابطًا.

4- من أصرّ على غلطه بعد تبيينه له وعاند فإنه تسقط روايته.

5- التساهل في ضبط الكتاب: لا تقبل رواية من يتساهل في نسخته التي يروي منها إن كان يروي الحديث من كتاب، كمن حدث من أصل غير صحيح أي من كتاب أو مكتوب غير مقابل على الأصول المسموعة المتلقاة عن المصنفين بالسند الصحيح.

مسائل متعلقة بهذه القاعدة:

الأولى: منهج المحدثين في معرفة ضبط الراوي :

  • يقول ابن الصلاح: «يعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه».

والمقصود أن الأئمة لا يوثقون أحدًا حتى يطلعوا على عدة أحاديث للراوي تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على الظن أن الاستقامة كانت ملكة لذلك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي.

وتفصيل ذلك أن الناقد إذا أراد معرفة حال راو فإنه يعمد إلى جمع مروياته ويتتبع كل الطرق إليها ولا يكتفي بمجرد ورود مروياته من طرق معينة حتى يعرف أن تلك المرويات رويت عنه على الوجه، ولم يحدث خطأ ممن تحته فيها، فإذا تجمعت لديه مرويات الراوي خالية من أخطاء غيره وازن بينها وبين مرويات الثقات الذين شاركوه في الرواية عن شيوخه مع اعتبار مرويات أولئك الثقات أيضًا حتى لا يوازن بين مرويات الراوي الذي يبحث عن حاله مع أخطاء الثقات، فإذا ما وجد أن مرويات ذلك الراوي تشابه روايات الثقات ولا تخالفها اعتبر ضابطًا لما يرويه، فإذا وجد بعض الأخطاء النادر اغتفر له ذلك مع تنبيهه على ما أخطأ فيه، فإذا كثر خطؤه وفحش غلطه ضعف أو ترك.

فاستبان بهذا أن طريق معرفة حال الراوي تحتاج إلى اطلاع واسع على مرويات الرواة وأسانيدهم.

وقد تشتبه هذه الطريقة في سبر حال الراوي بطريقة المحدثين في معرفة علة الحديث، حيث تعتمد طريقة معرفة العلة على سبر روايات هذا الحديث بعينه عند كل الرواة الثقات وغيرهم، والموازنة بينها، وقد يوازن بين روايات الضعفاء مع الثقات أو روايات الثقات مع بعضهم، بغية التوصل إلى الرواية التي اجتمع عليها الأكثر من الثقات الضابطين.

وبهذا يستبين أن طريق معرفة حال الراوي تكون بسبر كل مروياته وموازنتها بمرويات الثقات من طبقته.

أما طريقة معرفة العلة فتكون بسبر روايات الحديث الواحد عند كل الرواة الذين رووا هذا الحديث لمعرفة مصدر الخطأ لو وجد ومعرفة الرواية المنضبطة المحفوظة.

الثانية: منهج المحدثين في معرفة عدالة الراوي:

إن مما هو معلوم أن قواعد علوم الحديث، قواعد نقد شاملة تدرس جوانب الحديث كلها دراسة تامّة دقيقة تقدم منهجًا علميًّا كاملًا يقوم على أساس بدهي مسلّم يتفرع عنه أصول البحث النقدي.

يظهر ذلك من خلال تعليقات الأئمة المتقدمين من نقاد هذا العلم على كل نوع من أنواع علوم الحديث.

ومن معالم هذا المنهج:

1ـ عني المحدثون بوضع قواعد عامة في الجرح والتعديل تضبط هذا الميدان وتجعل له بعدا منظما واضحا وتنأىبه عن الأحكام الشخصية القائمة على الذوق أو الهوى، بحث يدل دلالة واضحة على علميةمنهج النقد عند المحدثين.

2ـ اختلفت بعض عباراتالتعديل والتجريح عند النقاد، فعني المحدثون بضبط تلك العبارات وبيان مراتبهاوتحرير مراد النقاد منها بحيث بدت ألفاظ الجرح والتعديل كأنها اصطلاح عند كل النقادوهو ما يؤكد تماسك وتناسق منهج النقد عند المحدثين.

3ـ نظرية الجرح والتعديلنظرية متكاملة، تمثل ركنا مهما في منهج النقد عند المحدثين، وقد عني النقادوالمحدثين بإقامة هذه النظرية على أسس علمية رصينة تشمل التأصيل والتقعيد والتطبيق.

هذا وقد أرشد النقاد إلى ضرورة مراعاة أمور فنية عندالنظر في كتب الجرح والتعديل ، ذكروها ليحتاط الناظر من أن يشرع في تلقف الأحكامدون ترو وبصيرة فيؤدي به الحال إلى الخطأ أو الحكم الجزاف، ومن تلك الإرشادات:

1 ـ إذا بحث الباحث في ترجمةراو، فليتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل ، فإن الأسماء كثيرا ما تشتبه ويقعالغلط والمغالطة.

2ـ أن يستوثق الباحث منالنسخة التي ينظر فيها وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلفالكتاب .

3 ـ إذا وجد الباحث في الترجمةكلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا؟

4- وإذا رأى في الترجمة «وثقه فلان» أو «ضعفه فلان» أو «كذبه فلان» فليبحث عن عبارة فلان، فقد يكونقال «هو ثقة» أو «هو ضعيف».

5-أصحاب الكتب كثيرا مايتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره وربما يخل بذلك بالمعنى، فينبغيأن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافا بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها.

6- للبحث عن رأي كل إماممن أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه مستعينا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلافالرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه بكلام غيره.

الثالثة: فوارق النقد بين منهج المحدثين ومنهج النقد الغربي:

منهج النقد عند المحدثين يقوم على أساس معلومات موثقة ومعطيات معروفة بالمشاهدة والملاحظة بخلاف منهج النقد الغربي الذي يجنح إلى الخرص والتخمين في أغلب الأحايين.

فالنقد الباطني الذي يعادل في معناه الجرح والتعديل عندهم يقوم أساسًا على مبدأ التفسير التاريخي الذي يعتبر كل الاحتمالات والفروض واردة، ومن ثم فأصحاب المنهج الغربي حينما ينقدون رواية مؤلف نقدًا باطنيًا قد لا تكون عندهم أية معلومات عن هذا المؤلف فيبدءون في طرح الأسئلة حوله:

1- هل كان أمينًا فيما اعتقده؟

2- هل أخطأ فيما عرفه؟

3- هل حاول جلب منفعة عملية وخداع قرائه؟

4- هل كذب المؤلف أو أرغم على الكذب؟

5- هل مال إلى مذهبه على حساب تشويه الوقائع؟

6- هل انساق وراء غرور فردي أو جماعي؟

7- هل تملق الجمهور؟

8- هل استعمل الأسلوب الأدبي في تشويه الوقائع؟

وكما نلاحظ: أن هذه الأسلوب تدور حول شخصية المؤلف «الراوي» من حيث أخلاقياته «عدالته»، ولا تذكر مؤلفات المنهج الأوروبي شيئًا عن كيفية الإجابة على الأسئلة، بل إنها رسمت المنهج التخميني خطًا لكل ناقد يريد أن يستخلص نتيجةً من وثيقة حتى لو كانت مجهولة الصاحب، وتأتي سلسلة أخرى من الأسئلة تدور حول ضبط المؤلف «الراوي» من قبيل:

1- هل كان في موضع يسمح له بملاحظة الواقعة أم أنه تخيلها؟

2- هل كان في موضع يستطيع فيه أن يلاحظ الوقائع ولكنه لم يكلف نفسه عناء مشاهدتها؟

3- هل كانت الواقعة المروية من طبعها ألا يمكن أن تعرف بالملاحظة وحدها مثل أسرار الحياة الزوجية مثلًا؟

ومع أن كل هذه الأسئلة تدور حول الشاهد الأصلي أو ما يسمونه «وثيقة من الدرجة الأولى» إلا أنهم لا يبينون أية مراجع تفيد في بيان حالة هذا الشاهد.

وفي حالة لو كانت الوثيقة من الدرجة الثانية أو الثالثة «رواة رووا عن الشاهد الأصلي» فإن الأمر يزداد تعقيدًا في انعدام المعلومات عن أولئك الرواة.

ولقد ظن أصحاب المنهج الغربي أن المسلمين على شاكلتهم في الافتقار إلى المعلومات عن رواة الأخبار والوقائع.

  • يقول سينوبوس: «وهذا البحث عن المشاهد الأصلي ليس غير معقول من الناحية المنطقية، فمجامعي الروايات العربية القديمة تعطي أسانيد الرواية لكننا في الواقع العملي نفتقر دائمًا تقريبًا إلى معلومات عن السند تصعد بنا إلى المشاهد الأصلي».

لذلك اضطر أصحاب هذا المنهج إلى تجشم الإجابة على تلك الأسئلة التخمينية لاستلهام أية قرائن تفيد أمانة الراوي ودقته في ضبط الواقعة.

والواقع أن منهج المحدثين في النقد أكثر وضوحًا وصرامة. فالراوي الذي يروي الواقعة تكون مؤلفات الجرح والتعديل في الغالب قد استوفت ذكر عدالته وضبطه «أي أمانته ودقته كما يقول سينوبوس» بل إنها تتعرض لتفاصيل أكثر دقة مما يتخيل أصحاب المنهج الغربي، مثل كيفية روايته للواقعة، ومستوى ضبطه لمجمع ما يروي، إلى أمور أخرى تند عن الحصر.

فإذا انعدمت المعلومات عنه، فإن صرامة المنهج تعتبره مجهولًا لا يقبل خبره ولا يوثق بروايته، حتى لو كان معروفًا باسمه وشخصيته، لكنه مجهول الحال «أي العدالة والضبط» فإنهم يترددوا في قبول روايته كما أسلفنا.

وطريقتهم في معرفة عدالة الراوي أي أمانته لا تركن إلى الخرص والبحث على عماية في ثنايا جمل الراوي وعباراته، بل تعتمد على تنصيص الأئمة على عدالته بما عرف عنه من الديانة والخلق، يقول الدكتور الأعظمي: «أما طريقة معرفة عدالة الرواة – ما عدا الصحابة – فتتوقف في الأعم الأغلب على تزكية المعاصرين من العلماء الأبرار، ولا يمكن إخضاعها لمنهج النقد».

ومعنى ذلك أنه لا بد أن يكون التعديل مشتهرًا عن الراوي، وعلى أقل تقدير أن يشهد بعدالته عالم معتبر، أما التعديل على الإبهام كأن يقول حدثني الثقة أو كل ما أرويه عن ثقات ولا يذكر أعيانهم فهذا رفضه النقاد المحدثون واعتبروه توثيقًا غير مجد.

وقد يلجأ المحدثون إلى طرق فنية أخرى في معرفة عدالة الراوي مثل اختبار أقواله وقياسها على التاريخ، كما قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ».

  • قال أبو الوليد الطيالسي: «كتبت عن عامر بن أبي عامر الخزاز، فقال يومًا: حدثنا عطاء بن أبي رباح، فقلت له: في سنة كم سمعت من عطاء؟ قال: في سنة أربع وعشرين ومائة، قلت: فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة: قال الذهبي: «إن كان تعمد فهو كذاب، وإن كان شبه له بعطاء بن السائب فهو متروك لا يعي».

وقد اعترف أحد المستشرقين – وهو مرغليوث – بعبقرية المحدثين في التأريخ الدقيق للحوادث، يقول: «نلاحظ مناهج معينة ابتكرها المؤرخون العرب لضمان الصحة في تسجيل الأحداث، أحدها: تأريخها بالسنة والشهر بل باليوم ويصرح- بكل – مؤرخ الحضارة أن ذلك العمل لم يحدث في أوروبا قبل 1597م ونجده متطورًا عند الطبري من بين مؤرخي العرب» أي قبل أوروبا بسبعمائة عام تقريبًا.

وقد يفحصون الورق والحبر وموضع الكتابة، قال زكريا بن يحيى الحلواني: «رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث ابن كاسب وقايات على ظهور كتبه «أي جلد بها كتبه» فسألته عنه فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعنا ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كان مراسيل فأسندها وزاد فيها».

وفي ترجمة أحد الرواة يقول الذهبي: «زور سماعات الخطيب الموصلي ثم انكشف أمره وسقط نقله».

لكن الأعم الأغلب في عدالة الراوي وديانته وتنزهه عن السفه والكذب وغير ذلك من مسقطات العدالة، أنها تعرف بالتنصيص والاعتماد على أقاويل العلماء لتقويم المستوى الخلقي.

وليس معنى التنصيص على ذلك أن يوجد نص من الناقد بأن فلانا عدل، بل المقصود اشتهار هذا الأمر عنه، أما من لم يشتهر هذا عنه فهو المجهول الذي مضى معنا موقف منهج النقد المحدثين منه.