بحث عن بحث

 

السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(4)

 

 

أمر القرآن بطاعة الرسول يشمل السنة المبينة والمستقلة .

لقد أمر القرآن الكريم بطاعة رسول الله أمرا عاما من غير تفرقة بين سنة مبينة لآيات القرآن وسنة مستقلة بأحكام وأخبار غير مذكورة فيه ، وقد كثرت الآيات في هذا المعنى كثرة تفيد القطع بعمومها للأنواع الثلاثة ــ المؤكدة والمبينة والمستقلة ــ وبعدم احتمالها للتخصيص بإخراج المستقلة ، وسوف نعرض لبعض الآيات مع ذكر أقوال العلماء فيها والذي يفيد شمول الآيات للسنة المستقلة.

1 ــ قوله تعالى :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)[ سورة النساء / 65 ] فهذه الآية تفيد حجية خصوص السنة المستقلة .

قال الإمام الشافعي : " نزلت هذه الآية ــ فيما بلغنا ــ ( والله أعلم ) في رجل خاصم الزبير في أرض ، فقضى النبي بها للزبير(1)، وهذا القضاء : سنة من رسول الله ، لا حكم منصوص في القرآن ، والقرآن يدل ( والله أعلم ) على ما وصفت : لأنه لو كان قضاء القرآن : كان حكما منصوصا بكتاب الله ، وأشبه أن يكونوا إذا لم يسلموا لحكم كتاب الله نصا غير مشكل الأمر : أنهم ليسوا بمؤمنين ، إذا ردوا حكم التتريل ، إذ لم يسلموا له " .

وفي بعض النســـخ " إذ ردوا حــكم التتريل ، إذ لم يسلمــوا لــه " وفي بعضـــها : " فلم يسلموا لــه "(2) .

وبالجملة : فالشافعي ـ رضي الله عنه ـ يريد : أن يستدل على أن هذا الحكم لم يكن في كتاب الله نصا واضحا ـ بأنه لو كان كذلك : لكان عدم إيمانهم ناشئا عن ردهم حكم الكتاب ، وعدم تسليمهم له ، وليس بناشئ عن عدم تحكيم الرسول وعدم التسليم له ، وعن الحرج مما قضى ، وحينئذ كان الظاهر أن يقال : فلا وربك لا يؤمنون ، حتى يقبلوا حكم الكتاب ويسلموا له .(3)


(1) الحديث في هذه القصة : أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب المساقاة ، باب سكر الأنهار ، رقم 2359 ، 236 ، وكتاب التفسير ، باب " فلا وربك لا يؤمنون " ، رقم 4585 ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الفضائل ، باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم ، رقم 2357 .

(2) الرسالة صــ 83 .

(3) حجية السنة صـ 295 .