بحث عن بحث

المقدمة

 

الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, نحمده سبحانه أن أرسل إلينا رسولاً هادياً ومبشراً ونذيراً, وأنزل عليه قرآناً مبيناً تكفل بحفظه إلى يوم الدين فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).

وجعل شريعة الإسلام خاتمة الشرائع ، فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (المائدة: 3),فالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واجب كل مسلم ، فمن أطاعه أطاع ربه، ومن عصاه فقد عصى الله عز وجل.قال الله تعالى{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }( القصص 50) وقيّض لحفظ دينه رجالاً اختصهم من بين خلقه بصفات جعلتهم أئمة يُهتدى بهم, رفع من شأنهم وأعز من قدرهم, فكانوا الأمناء الأوفياء ورّاث دعوة الأنبياء ، ينفون عنها تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين, يذودون عن حياضها وينشرون هديها, نقر ونعترف بإمامتهم ولا ندعي عصمتهم, لهم قدم صدق في الإسلام وجهود كبيرة عظيمة في الفقه وأبواب العلم والواحد فيهم بين الأجر والأجرين في فروع الدين, وأقوالهم عزيزة علينا للاستعانة بها على معرفة الحق بدليله, وأن حالهم من العلم والهدى والمعرفة أقرب منا للصواب في اجتهاداتهم من اجتهاداتنا لأنفسنا فما زالوا على إرث كبير كل حسب قدراته، وتركوا للأمة ثروة علمية عظيمة، فرضي الله عنهم أجمعين، وجمعنا بهم في أعلى جنات النعيم، تحت لواء سيد الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكان من هؤلاء الأئمة الأفذاذ العالم الرباني إمام أهل السنة والجماعة في عصره أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني القائل فيما نقله الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) (2/44-46): أصول الدين ثلاثة: دال, ودليل, ومستدل.

الدال: هو الله, والدليل: القرآن, والمبلغ: رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمستدلون: هم العلماء, فمن طعن على الله تعالى, وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر.

لم يترك الإمام أحمد كتاباً جامعاً شاملاً بيّن فيه رأيه وفتاواه في الفقه والأصول وغيرها فكان انشغاله في جمع الحديث والنظر في علله، بل كان ينهى عن ذلك حتى في المسائل التي كان يسأل عنها كما نقل ذلك ابن الجوزي في كتابه مناقب الإمام أحمد ص 191 فكان من حسن قصده أن نقلت ألفاظه وحفظت على يد تلاميذه، فقل أن تقع مسألة إلا وله فيها نص في الفروع والأصول, وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا

إن جل مذهب الإمام أحمد –رحمه الله تعالى- مأخوذ من أجوبته وفتاواه التي كتبها عنه تلامذته في كتبهم المشهورة باسم: مسائل الرواية عن الإمام أحمد, فقد روى الكثير من أصحابه عنه مسائل عدة، وكانوا متفاوتين فيما بينهم في القلة والكثرة والتبويب والترتيب, وهم عند الإمام أحمد متفاوتون أيضاً في المنزلة بالنقل عنه والضبط والحفظ والملازمة، قيل هذه المسائل بلغت نحو ستين ألف مسألة الكاتبون لها عنه الجم الغفير, والمطبوع منها قليل وهي:

1- مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه برواية ابن منصور الكوسج (ت 251هـ)

2- مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح (ت 266هـ)

3- مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ النيسابوري (ت 275هـ)

4- مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب كتاب السنن (ت 275هـ)

5- مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (ت 290هـ)

6- مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله بن محمد البغوي (ت 317هـ)

وكتب المسائل هذه منها ما هو مرتب على أبواب الفقه, ومنها مالم يلتزم جامعها منهجاً خاصاً وإنما أتى على سردها جميعاً, وفيها ما هو متفرق في كتب مختلفة من المذهب على سبيل الاستشهاد والاستدلال.

ومن المهم أن لا يغيب عن الباحث في مسائل الإمام أحمد النظر باهتمام بالغ في المصطلحات والألفاظ التي استعملها الإمام في إجابته على المسائل, فتارة تكون صريحة في الحكم بما لا يحتمل غيره, وتارة تكون واضحة فيه مع احتمال غيره, وتارة تكون حاملة للأمرين معاً وهي كثيرة, وقد فصل فيها القول الشيخ العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد –رحمه الله تعالى- في كتابه المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد فليراجع.

وإننا في موقع شبكة السنة النبوية وعلومها سنقدم الأحاديث التي سئل عنها الإمام أحمد مع العزو إلى مصدرها في كتب المسائل، مصدرين ذلك بترجمة موجزة للإمام أحمد ورواة المسائل المطبوعة.