بحث عن بحث

الدرس الثالث

من مقاصد الصيام

الحمد لله الذي هدانا لأفضل الأديان، وفرض علينا شهر الصيام، لما فيه من الفضائل والفوائد الحسان، وصلى الله على خير الأنام، نبينا محمد وعلى آله وصحبه البررة الكرام. أما بعد:

أخي المسلم: تحدثنا في الدرس السابق عن فضل شهر رمضان، وفي هذا الدرس نستعرض بعض مقاصد الصوم وأسراره، نستعرضها إجمالا فيما يأتي:

لا شك أخي المسلم أنه يكفينا في الحث على الصيام والدعوة إليه أن الله أمرنا بالصيام، دون أن نعدد فوائده وأسراره، ولكن لا مانع من ذلك؛ لأن الله تعالى علم المسلم في كثير من آيات الكتاب المبين أسرار تشريعه؛ شحنا للأذهان لأن تفكر وتعمل، فعندما علمنا آداب الاستئذان في البيوت ختم الآية بقوله [ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ] [النور:28]، وحين أمر المؤمنين بغض الأبصار نبهنا إلى الفائدة الاجتماعية من ذلك بقوله [ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ] [النور:30].

ألا ومن أسرار الصيام ومقاصده:

1- تقوى الله عز وجل، فهي من أقوى مقاصده، والتقوى: فعل كل خلق جميل يحبه الله تعالى ويحمد صاحبه عليه في الدنيا، وهي: الوقاية من كل خلق ذميم يؤذي الفرد والمجتمع، وهي: كل عمل يقرب من الله تعالى ويبعد عن الشيطان، فمن حكمة الصيام التوصل إلى التقوى، يقول الله سبحانه وتعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] [البقرة: ١٨٣]. فختم جل وعلا الآية بأن من حكمة الصيام تقوى الله عز وجل، فهو طريق للوصول إليها.

2- ومن مقاصد الصيام: ضبط النفس عن الشهوات والملذات، فالنفس ميالة إلى رغباتها وشهواتها، والصوم يعين الصائم على ضبط نفسه عن المحرمات، والمكروهات، ليقبل على الله جل وعلا بنفس مطمئنة راضية.

يقول العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: (كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين. وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين».

3- في الصوم تربية على الخلق العظيم، والسلوك المستقيم؛ ذلك أن الصوم عبادة مستورة بين العبد وربه، لا يكون فيه الرياء ولا الخداع، ولا يطلب عليه المدح ولا الثناء، يصوم المؤمن، وحسبه من جوعه وخضوعه علم الله به، واطلاعه على صدق نيته، وحسبه من الثواب أن يطهر نفسه من الخداع والرياء، وأن يلزم لسان الصدق والوفاء، يخجل من الكذب والغش والسرقة والغيبة والنميمة والإيذاء والعدوان على الناس في أعراضهم وأموالهم.

هذا كله من تربية الصوم، وإلا لما أدى مقصوده، يوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «فإن سابه أحد، أو شاتمه فليق: إني صائم».

4- ومن مقاصد الصيام أنه جنة من العذاب والأخلاق السيئة، يُعَوٍّدُ النفس على الصبر والحلم، وتجنب كل ما من شأنه إثارة الغضب؛ لأن الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان. روى النسائي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في حديثه الطويل...وفيه «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة».

يقول العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى: فإن الصيام من الصبر، وقد قال الله تعالى: [ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [الزُّمَر:10].

ولهذا ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  سمى شهر رمضان شهر الصبر، والصبر ثلاثة أنواع:

صبر على طاعة الله.

وصبر عن محارم الله.

وصبر على أقدار الله المؤلمة.

وتجتمع الثلاثة في الصوم، فإن فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه، كما قال تعالى في المجاهدين [ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ][التوبة:120].

5- ومن مقاصد الصيام: أنه يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالفقراء والعطف على المساكين، ذلك أن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات تذكر الجائع المسكين في سائر الأوقات، فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه، قيل ليوسف عليه السلام- وكان كثير الجوع- :لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: إني أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

ومجتمع هذه صفته، غنيُّه يعطف على فقيره، والجار يحسن لجاره، والقريب يصل قريبه، مجتمع حري بأن لا يبقى فيه جائع، ولا تحصل فيه رذيلة.

أسأل الله الكريم أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه سميع مجيب.