بحث عن بحث

 

آثار قيم الإسلام الخلقية في صياغة المجتمع المسلم (7- 8).

 

-   ومن مظاهر عنايته عليه الصلاة والسلام بالقيم الخلقية مع المخالفين له وفاؤه بعهدهم, ومن شواهد ذلك ما حدث يوم الحديبية, عندما صالح الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين من أهل مكة، وكان من بنود هذا الصلح, أن لا يأتي المسلمين أحدٌ إلا رده إلى المشركين وإن كان مسلماً, وفي أثناء الكتابة جاء أبو جندل(1) بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده, فقال سهيل(2)  - وكان مندوب قريش في الصلح – هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه, أن ترده إلي,فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نقض الكتاب بعد". فقال : فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم" فأجزه لي" قال : ما أنا بمجيزه لك. قال: "بلى فافعل" قال : ما أنا بفاعل. وانتهى الأمر برده عليه الصلاة والسلام أبا جندل وفاءً بالعهد(3)  .

وهكذا فقد حاول عليه الصلاة والسلام التلطف مع سهيل بن عمرو حتى يترك له أبا جندل, فلما رفض لم يفرط عليه الصلاة والسلام بقيمة الوفاء ولو ترتب عليها أذى وعذاب ببعض أصحابه رضوان الله تعالى عنهم, لأن الإخلال بها في مثل هذا الموطن يفتح بابا للإخلال بها في مواطن أخرى قد يترتب عليها هلاك أمم ودمار شعوب, وعليه فلا محاباة في القيم ولا تفريط في الفضائل وإن عظم الخطب في الظاهر فالتفريط بالقيم أعظم وبالا وأشد خطرا.

ومشهد آخر بعد الصلح أيضاً, فبعد" أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءه أبو بصير(4) رجل من قريش وهو مسلم, فأرسلوا في طلبه رجلين, فقالوا : العهد الذي جعلت لنا, فدفعه إلى الرجلين(5)  "حفظا للعهد ورعاية للقيم .

- ومن مظاهر عنايته بالقيم الخلقية أيضا, رده الجميل لمن أحسن إليه منهم, فعن العباس(6) بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أغنيت عن عمك – يعني أبا طالب(7) - فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : "هو في ضحضاح(8)  من نار, ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار(9)  ".

وقال عليه الصلاة والسلام : " لو كان المطعم بن عدي(10) حيا, ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له(11) " .

وكان احسان المطعم اجارته للرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد دخول مكة عائدا من الطائف بعد إعراض ثقيف عن دعوته(12)  .

- ومن ذلك عفوه عليه الصلاة والسلام عنهم كما عفا عن أهل مكة, وهم الذين كذبوه وآذوه, وهموا بقتله, وأخرجوه من بلده, وقاتلوه في مواطن كثيرة, فبعد أن أكرمه الله تعالى بفتح مكة, والظفر بهم, والتمكن منهم عفا عنهم, حيث قال لهم: "يامعشر قريش, ما ترون أني فاعل بكم ؟ " قالوا : خيراً, أخ كريم وابن أخ كريم, قال:" اذهبوا فأنتم الطلقاء(13)  ".

    كما عفا عن جماعة منهم حاولوا النيل منه على حين غفلة, فعن أنس رضي الله عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين, يريدون غِرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فأخذهم سلماً فاستحياهم، وخلى سبيلهم(14)  .

    هذه كانت أخلاقه عليه الصلاة والسلام  مع أعدائه والمخالفين له, تتمثل فيها الرحمة بهم, والحرص على نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة .


(1)  -أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري , مشهور بكنيته , أسلم قديما حبس وعذب , مات شهيدا باليمامة . أسد الغابة(5/54 ). الإصابة( 4/34 )

(2)  -سهيل بن عمرو العامري , خطيب قريش , من المؤلفة قلوبهم , وممن حسن إسلامه , مات بالشام في طاعون عمواس سنة 18 ه . أسد الغابة (2/328 ). الإصابة (2/92 ).

(3)  -رواه البخاري مطولا : انظر : ابن حجر فتح الباري (5 /331 ).

(4)  -هو عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي , كان من المستضعفين بمكة , ففر منهم فكان يقطع على قريش تجارتها , مات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . أسد الغابة( 3/455 ) الإصابة (2/445 ).

(5)  -رواه البخاري , ابن حجر – فتح الباري (5 /332 )

(6)  -العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي , عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو الفضل , أسلم قديما وكتم إسلامه , وهاجر قبل الفتح , مات بالمدينة سنة 32ه . أسد الغابة( 3/60 ). الإصابة (2/263 )

(7) -أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي , عم النبي صلى الله عليه وسلم , كان منعة للرسول وناصرا له على قومه , مات على دين قومه قبل الهجرة بثلاث سنين . البداية والنهاية (3/122 )

(8)  -ضحضاح : لا عمق فيه , القليل , مجمع اللغة العربية , المعجم الوسيط (2 /534 – 535 ).

(9)  -رواه البخاري , ابن حجر فتح الباري (7 /193 ).

(10)  -المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي , كان ممن سعى في نقض الصحيفة , توفي بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا بيسير. البداية والنهاية (3/138). الإصابة (1/227). جاء ذكره في ترجمة ابنه .

(11) -رواه البخاري , ابن حجر فتح الباري (7 /323 ). والمقصود بالنتنى : أسارى بدر .

(12)  -انظر : ابن حجر المرجع السابق (7 / 324).

(13)  -ابن هشام – السيرة النبوية (4 /412 ) والخبر قال عنه الألباني . ضعيف، انظر : الغزالي – فقه السيرة ص382 , دار القلم دمشق . ولكن وصف الطلقاء ثابت في صحيح مسلم . انظر : النووي شرح صحيح مسلم (3 /101) مما يشهد لصحة معناه .

(14) -رواه مسلم وأحمد , النووي شرح صحيح مسلم ج4 ص467 . أحمد البنا – الفتح الرباني (18 /278 ). وقوله في الحديث "سلما" قال النووي : ضبطوه بوجهين أحدهما بفتح السين واللام – ومعناها : أسرهم , والسلم الأسر , وجزم به الخطابي وقال : المراد به الاستسلام والإذعان كقوله تعالى ( وألقوا إليكم السلم ) النساء الآية 90 , والثاني بإسكان اللآم مع كسر السين وفتحها , ومعناه الصلح , انظر المرجع السابق (4 / 468 – 469 ) باختصار .