بحث عن بحث

 

آثار قيم الإسلام الخلقية في حياة الصحابة رضي الله عنهم (3- 11).

 

منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الصحابة :

لقد كان للمنهج الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه رضي الله عنهم بالغ الأثر في نشاطهم إلى الخير ومسابقتهم إلى الفضائل .

فقد حرص عليه الصلاة والسلام منذ فجر الإسلام على تربيتهم على الصبر عند تعينه, والبذل عند قيام سوقه , كل ذلك مع عدم الطمع في منصب , أو التطلع إلى رياسة , أو أي مغنم دنيوي أو حظ عاجل , وإنما صبر وتضحية وبذل تقرباً إلى الله, ورجاء ما عنده, لذا كان صبراً لاحد له, وتضحية لا وصف لها تصل إلى بذل النفس رخيصة في سبيل الله.

ومن أمثلة هذه التربية وشواهدها من سيرته عليه الصلاة والسلام ما يلي:

- مر عليه الصلاة والسلام بياسر(1) وزوجته سمية(2)وهما يعذبان, كان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء , يعذبونهم بحرها , فقال عليه الصلاة والسلام " : صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة(3) "، فجعل الجنة ثمنا للصبر , وجزاءا للثبات على الدين .

- وفي قصة بيعة العقبة , قال عليه الصلاة والسلام:" تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل , والنفقة في العسر واليسر , وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم , وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليك مما تمنعون منه أنقسكم وأزواجكم وأبناءكم , ولكم الجنة– وفي رواية – قال جابر: فأخذ علينا وشرط , يعطينا على ذلك الجنة(4)".

فقد تضمنت البيعة , الإلتزام بجملة من القيم الخلقية مع تحمل تبعاتها، والجزاء على ذلك الجنة .

وفي سر العناية بهذا المنهج يقول ابن القيم رحمه الله : " انه إذا خلا قلب من ملاحظة الجنة والنار , ورجاء هذه والهرب عن هذه , فترت عزائمه , وضعفت همته , ووهى باعثه , وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها كان الباعث لها أقوى , والهمة أشد والسعي أتم(5) " .

وهذه الطريقة وهي تعليق المؤمن بالله والدار الآخرة أورثتهم الحرص التام على كل خير, والرغبة الأكيدة في كل فضيلة في السراء وفي الضراء , وفي العلن وفي الخفاء , رغبة في الزيادة من الخير, والفوز بأرفع المنازل في الجنة .

وقد تجلت فيهم رضوان الله تعالى عليهم ملامح هذه التربية العظيمة فكانوا أزهد الناس في الدنيا وشهواتها , وأحرصهم على البذل والعطاء والمسابقة في ذلك .

-   فهذا عبد الرحمن بن عوف(6) رضي الله عنه يختاره عمر في الستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن توفي وهو عنهم راض – ليختاروا الخليفة من بينهم فيسارع إلى خلع نفسه رغبة في الخلافة , وزهدا في الولاية , حيث لم تتعين في حقه(7).

- وهذا عتبة بن غزوان (8) الصحابي الجليل من السابقين إلى الإسلام يوليه عمر رضي الله عنه إمارة البصرة , ثم يقدم للحج , فيلتقي بالخليفة فيستعفي عن ولايتها فيأبى أن يعفيه , فيقول: اللهم لا تردني إليها , فسقط عن راحلته فمات رضي الله عنه(9) .

وهذا كثير في سيرتهم رضي الله تعالى عنهم


 

(1) ياسر بن عامر العنسي حليف آل مخزوم , من السابقين إلى الإسلام عذب في الله وأوذي , ومات في العذاب في مكة .

- أسد الغابة( 4 / 691 ). الإصابة( 4 / 327 ).

(2) سمية بنت خبّاط , أم عمار بن ياسر , كانت سابعة سبعة في الإسلام , عذبها أبو جهل حتى قتلها , فكانت أول شهيدة في الإسلام .

- أسد الغابة (6 /125 ).  الإصابة (4 / 327 ).

(3) رواه الحاكم , أبو عبد الله الحاكم – المستدرك (3 /383 ). والحديث صححه الألباني , انظر الغزالي , فقه السيرة ص 107-108 .

(4) رواه أحمد والحاكم , أحمد ألبنا – الفتح الرباني (20 /270 )0 الألباني – الأحاديث الصحيحة (1 / 93 – 94 ).

(5) ابن القيم – مدارج السالكين (2 / 79 ).

(6) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري , من السابقين , وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة , كثير المناقب , مات بالمدينة سنة 31 ه . أسد الغابة (3/380 ).  الإصابة( 2/208 ).

(7) الخبر في البخاري , ابن حجر – فتح الباري (7 / 59 – 62 ).

(8) هو عتبة بن غزوان بن جابر المازني من السابقين إل الإسلام , ولي بعض فتوح العراق , مات سنة 17 ه وقيل غيرها , سير أعلام النبلاء( 1/304 ). الإصابة( 2/448 ).

(9) ابن عبد البر – الاستيعاب بهامش الإصابة (3 /113 ) ابن كثير – البداية والنهاية (7 /48 ).