بحث عن بحث

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في حياة الصحابة رضي الله عنهم (8-11).

 

    فمن صور الرحمة :

-  عن عياض بن خليفة(1)قال: رأيت عمر عام الرمادة(2) وهو أسود اللون, ولقد كان أبيض, قال: كان رجلاً عربيا، وكان يأكل السمن واللبن فلما أمحل(3) الناس حرّمها حتى يحيوا فأكل بالزيت فغير لونه وجاع فأكثر.

وعن أسلم(4) قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أنّ عمر يموت همّا بأمر المسلمين(5) .

وهكذا لم يستأثر رضي الله عنه عن الناس وكانت الدنيا بين يديه لو أرادها , بل كاد أن يهلك من شدة همه بأمر المسلمين وتألمه من سوء حالهم وما نزل بهم .

- ومن صور التراحم ما حصل لكعب بن مالك(6) وصاحبيه(7) لما أنزل الله توبته عليهم, قال كعب:" بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت علي نفسي, وضاقت علي الأرض بما رحبت , سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر, قال : فخررت ساجداً, وعرفت أن قد جاء فرج , وآذان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر, فذهب الناس يبشروننا , وذهب قبل صاحبيّ مبشرون, وركض إلي رجل فرساً, وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل , وكان الصوت أسرع من الفرس . . – إلى أن قال – وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة , يقولون: لتهنك توبة الله عليك, قال: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس , فقام إلي طلحة بن عبيد الله(8)يهرول حتى صافحني وهنّاني . .(9) " .

وهكذا يعم الفرح المجتمع, ويتسابق الناس إلى إيصال البشرى إلى كعب وصاحبيه, ويستقبله الناس أفواجا فرحا بتوبة الله عليه , وسرورا بوصول الخير إليه .

- وصورة ثالثة من حياة حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه, فقد روي أن رجلا شتمه فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال :

أني لآتي على الآية من كتاب الله تعالى فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم , وأني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبداً , وأني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح به وما لي به من سائمة(10) .

وهذا مثال رائع ونموذج فريد تتمثل فيه سلامة الصدر للمسلمين , والفرح بوصول الخير إليهم مع الرغبة الصادقة في حصولهم على المنازل العالية والمراتب الرفيعة بالعلم بكتاب الله تعالى وتدبر معانيه, وقد اقترنت هذه الرغبة بالعمل الدائب والبذل المستمر في تعليم الناس وتفقيههم , فبذل في ذلك جهده , وسخر له جل وقته(11) رضي الله تعالى عنه وأرضاه .

ومن صور التواضع :

- عن طارق بن شهاب(12) قال : لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عمر عن بعيره ونزع خفيه ثم أخذ بخطام راحلته وخاض المخاضة . فقال أبو عبيدة بن الجراح : لقد فعلت يا أمير المؤمنين فعلا عظيماً عند أهل الأرض, نزعت خفيك وقدمت راحلتك وخضت المخاضة. قال: فصك عمر بيده في صدر أبي عبيدة فقال : أوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة, أنتم كنتم أقل الناس وأذل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبون العز بغيره يذلكم الله تعالى(13) .

فهو ليس حادثا طارئا أو موافقة عابرة هذا التواضع الجم من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه – الذي فتح الله على المسلمين في عهده الشام والعراق ومصر – وإنما هي القناعة التامة والإيمان العميق بالمعاني والحقائق الفضائل والقيم, فهي مصدر العز, وسبيل النصر والتمكين .

-   عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صعد يوم الجمعة على المنبر وعليه إزار عدني غليظ , ثمنه أربعة دراهم أو خمسة(14) .

وعن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة قال: ويقوم وأثر الحصى بجنبه(15) .


(1)عياض بن خليفة , من التابعين روى عن عمر وعلي رضي الله عنهما. قال عنه الحافظ: مقبول. – أبو حاتم الرازي – كتاب الجرح والتعديل

( 6/407 )0 مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية – الهند ط1 سنة 1372 ه . تقريب التهذيب ص 437 .

(2) وكان في السنة الثامنة عشر للهجرة وفيها أجدب الناس وحصلت لهم شدة في المدينة وما حولها , وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد فسمي العام عام الرمادة , وقيل : لأن الأرض صارت سوداء فأشبهت الرماد. انظر : ابن سعد – الطبقات (3 /310 )0الطبري – تاريخ الأمم والملوك (3 /310 )0  

(3) أي أجدبوا , انظر – مجمع اللغة العربية – المعجم الوسيط (2 /856 )0

(4)  أسلم ألعدوي , مولى عمر , مخضرم مات سنة 80 ه وقيل بعد سنة 60 ه . تقريب التهذيب ص 104 .

(5) ابن سعد – الطبقات (3 / 314 – 315 )0 ابن الجوزي – مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ص71 .

(6) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي , شهد العقبة, وتخلف في تبوك وتاب الله عليه وعلى صاحبيه, مات في خلافة علي . أسد الغابة( 4/187 )0 الإصابة( 3/ 285 )0 تقريب التهذيب ص461.

(7) هما مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي , كما في الحديث عند الشيخين .

(8)  طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي التيمي , أحد العشرة , مشهور كثير المناقب , استشهد يوم الجمل سنة 36 ه . سير أعلام النبلاء (1/23) الإصابة( 2/220 )0  

(9) متفق عليه . ابن حجر – فتح الباري ( 8  / 115 – 116 )0النووي شرح صحيح مسلم (5 /621 – 622 )0

(10) - أبو نعيم – الحلية (1 /322 )

(11)  انظر : ابن سعد – الطبقات (2 /368 )0

(12)  طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي , قال أبو داود : رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه , مات سنة 82 ه , أو التي بعدها . تقريب التهذيب ص281 .

(13) رواه الحاكم , في المستدرك (3 /82 )0 ابن المبارك – كتاب الزهد ص207 . دار الكتب العلمية .

(14)  رواه الحاكم في المستدرك (3 /96 )

(15) أحمد بن حنبل – كتاب الزهد ص274 , دار الكتب العلمية – بيروت سنة 1398 ه , أبو نعيم – الحلية (1 /60 )0