بحث عن بحث

 

آثار قيم الإسلام الخلقية في النظم (6-6)

 

 

- وجوب التزام القيم الخلقية في المعاشرة بين الزوجين وأثر الإخلال بها :

من دلائل مكانة القيم الخلقية في الأسرة وأهميتها في استمرار النكاح ودوام العشرة, ما رتبه الشارع من أحكام في حال الإخلال بها من أحد الزوجين, فمن ذلك :

- جواز الخلع إذا كان الزوج سيء الخلق , وكرهت المر أة البقاء معه.

والخلع هو: بذل المرأة عوضا لزوجها في مقابل طلاقها(1). والأصل فيه قوله تعالى:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ )[ البقرة : 229] .

ومن أدلته ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال:( جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس(2) إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقالت: ما أنقم على ثابت في دين ولا خُلق, إلا أني أخاف الكفر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتردين عليه حديقته ؟ فقالت : نعم , فردّت عليه , وأمره ففارقها)(3) .

والقول بجواز الخلع هو مذهب جماهير العلماء, قال ابن حجر : " اجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني(4) " (5)

وقد ذكر العلماء أن سوء الخلق من مسوغات جواز الخلع , قال الجصاص(6)في قول الله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) [البقرة: 229]. " هذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين:

- إما أن يكون أحدهما سيء الخُلق أو جميعهما , فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ألزم به كل واحد منهما من حقوق النكاح في قوله تعالى:( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )[ البقرة : 228].

- وإما أن يكون أحدهما مبغضاً للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة فيؤدي ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصير في الحقوق التي تلزمه .. فإذا وقع أحد هذين الأمرين, وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي حدها حل الخلع(7)" .

وقال ابن قدامه : " المرأة إذا كرهت زوجها لخَلقه أو خُلُقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك , وخشيت أن لا تؤدي حقوق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض تفدي به نفسها منه(8)" .

ومن ذلك أن مقصود النكاح حصول المودة والرحمة بين الزوجين كما قال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )[الروم: 21]. وهما من القيم الخلقية الكريمة التي يتحقق بهما راحة البال وهناء العيش واستقرار الأسرة .

ولأهمية هاتين القيمتين في الحياة الأسرية ذهب بعض العلماء إلى جواز فسخ النكاح, ونقض عراه إذا تبين في أحد الزوجين عيب يخل بحسن العشرة. ولا يتحقق معه المودة والرحمة, قال ابن القيم: " القياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه, ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار(9)" .

 


(1) - انظر: ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/66)0 دار المعرفة – بيروت ط4 سنة 1398 ه ابن حجر – فتح الباري (9/ 394)

(2) ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجى , خطيب الأنصار , من كبار الصحابة , بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة , واستشهد باليمامة . أسد الغابة (1/275) تقريب التهذيب 133 .

(3) رواه البخاري، في الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، رقم (5274).

(4) بكر بن عبد الله المزني , أبو عبد الله البصري , الإمام الواعظ , أحد الأعلام , ثقة ثبت جليل , مات سنة 106 ه . سير أعلام النبلاء (4/532) تقريب التهذيب 127 .

(5) - ابن حجر – فتح الباري (9/395) وانظر: ابن تيمية – الفتاوى (32 / 282 ) ابن قدامه – المغني (7/51) مكتبة الرياض الحديثة , الرياض .

(6) هو أحمد بن علي الرازي , أبو بكر الجصاص الفقيه الحنفي , كان عابدا زاهدا ورعا , توفي سنة 370 . البداية والنهاية(11/297) الأعلام (1/171)0

(7) - أبو بكر الجصاص – أحكام القرآن (1/ 39 – 392) در الفكر – بيروت .

(8) - ابن قدامه – المغني (7 /51).

(9)- ابن القيم – زاد المعاد (5 /183).