بحث عن بحث

 

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في المعاملات (2-4)

 

 

- فضل التزام القيم الخلقية في المعاملات وصور الترغيب في ذلك :

إذا تقرر حاجة الناس بعضهم إلى بعض , وانتظام مصالحهم بالتكاتف والتعاون بينهم, فلابد لهم من ميزان يضبط سلوكهم , وقانون يحكم تصرفاتهم ويضمن لهم السير في صراط مستقيم .

وقد جاءت الشريعة بأكمل منهاج وأحسن طريق في هذا الجانب وغيره فشرعت للناس من المعاملات ما فيه صلاحهم وحرمت عليهم كل ما يؤدي إلى فسادهم واختلال حياتهم, واضطراب معيشتهم , وأرشدتهم إلى كل فضيلة يتحقق معها انتظام مصالحهم مع استبقاء أسباب المودة بينهم .

فحثت على مكارم الأخلاق في كافة المعاملات من بيع وشراء وقضاء واقتضاء, وتنوعت أساليب الترغيب في ذلك فبالوعد تارة, وبالوعيد تارة, وبالجمع بينهما تارة.

- أما الوعد فمن ذلك ما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى(1) ) .

ففي الحديث الحض عل السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق وترك المشاحة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم(2), وأن فاعل ذلك مستحق لرحمة الله تعالى لرحمته بعباده. وأيضا فهو مستحق لمحبته وجنته, كما جاء من حديث أبي هريرة مرفوعا:( إن الله يحب سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء(3)) وعن عثمان مرفوعا : ( أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا بائعا ومشتريا(4)).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن رجلا تقاضى رسول الله فأغلظ له, فهم به أصحابه, فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً, واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه. قالوا: لا نجد الا أفضل من سنة , قال: اشتروه فأعطوه إياه, فإن خيركم أحسنكم قضاء(5) ).

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مات رجل، فقيل له، ماكنت تقول ؟ قال: كنت أبايع الناس، فأتجوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر ، فغفر له(6)).

- وأما الوعيد ، فمن ذلك :

قوله تعالى:(وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ )[ المطففين: 1 – 3]  .

وقال تعالى في قصة شعيب:( أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [الشعراء:181– 183]  .

وقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا )[النساء : 107]  .

وقال تعالى : (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ )[يوسف: 52]  .

وقال تعالى في شأن الربا) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 278 – 279] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبره طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله , قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس , من غشنا فليس منا) وفي رواية ( من غش فليس منا(7) ) .

ونهى عليه الصلاة والسلام عن الاحتكار وقال :( لا يحتكر إلا خاطئ (8) )


(1) رواه البخاري, في البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف، رقم (2076).

(2) - ابن حجر – المرجع السابق (4 / 307 )0

(3) - رواه الترمذي , المبارك فوري – تحفة الأحوذي (4 / 548 ) الألباني – صحيح سنن الترمذي (2 /34 ) المكتب الإسلامي – بيروت , ط1 سنة 1408 ه .

(4) - رواه ابن ماجة في سننه (2 / 742 )انظر : الألباني – صحيح سنن ابن ماجة (2 / 15 ) المكتب الإسلامي – بيروت , ط1 سنة 1407 ه .

(5) متفق عليه ، أخرجه البخاري، في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب حسن التقاضي، رقم (56)، وأخرجه مسلم، في المساقاة، باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه، وخيركم أحسنكم قضاء، رقم (1601).

(6) رواه البخاري، في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب حسن التقاضي ، رقم (2391).

(7) رواه مسلم , في الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)، رقم (102).

(8) رواه مسلم , في المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، رقم (1605).