بحث عن بحث

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في علاقة السلم والحرب (2- 9)

 

 

ويدخل في هذا عدم ابتدائهم بالسلام كما قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام, فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه)(1). ذلك أن البدء بالسلام نوع تكريم وتقدير والكافر غير مستحق لذلك. 

وكذا اضطراره إلى أضيق الطرق والمقصود منعه من العلو والترفع والتضييق على المسلمين, وليس إيذائه كما هو ظاهر كلام أهل العلم(2).

وإلى جانب هذا فقد جاء الإسلام بالآداب السمحة والأخلاق الكريمة فقرر جملة من الحقوق لأهل الذمة إذا قاموا بما يجب عليهم , وشرع للمؤمنين صوراً من البر بهم , ونماذج للإحسان إليهم, تحقيقا لكرامتهم الإنسانية وترغيبا لهم في الإسلام, ولأن " البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتواد المهني عنه(3)" .

فمن ذلك :

أ  - مشروعية الإحسان إلى كل من تربطه بالإنسان صلة من قرابة أو سبب فيشرع للمسلم الإحسان إلى والديه وأقاربه وجيرانه , وكل من كان محتاجاً إلى البر والإحسان ولو كان غير مسلم .

أما الوالدان فقد قال الله تعالى:( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)[لقمان:14–15] . فأمر سبحانه برعاية حق الوالدين ومصاحبتهما بالمعروف ولو كانا مشركين, ومن أعرف المعروف وإلزام الإحسان الإنفاق عليهما وسد خلتهما, وإغنائهما عن الحاجة والمسألة. وقد أمر عليه الصلاة والسلام أسماء بنت أبي بكر(4) رضي الله عنهما أن تصل أمها وهي مشركة , ففي الحديث الصحيح عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة – في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم – مع أبيها , فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم, فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة , قال : نعم , صلي أمك(5)" .

وأما الأقارب والجيران وسائر المحتاجين , فقد قال الله تعالى:( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) [ النساء: 36]  قال ابن القيم: " كل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كان كافراً(6) " .

 


(1) رواه مسلم , في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، رقم (2167).

(2)- النووي – شرح صحيح مسلم (5/10).

(3)- ابن حجر – فتح الباري (5/233) انظر : عبد العزيز بن باز – نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع ص 36 , الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء ط5 سنة 1403 ه .

(4) أسماء بنت أبي بكر الصديق , زوج الزبير بن العوام , من كبار الصحابة عاشت مائة سنة , وماتت سنة ثلاث – أو أربع – وسبعين . أسد الغابة( 6/9 ) تقريب لتهذيب 743 .

(5) متفق عليه, أخرجه البخاري، في الهدية وفضلها، باب الهدية للمشركين، رقم (2620)، وأخرجه مسلم، في الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد، والوالدين ولو كانوا مشركين ، رقم (1003).

(6)- ابن القيم – أحكام أهل الذمة (2 / 418 )0