بحث عن بحث

 

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في علاقة السلم والحرب (3- 9)

 

 

ب – جواز صلة الكافر المسالم والبر به والإحسان إليه أيا كان, كما أذن الله تعالى بذلك بقوله: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8] ولعل الحكمة من جواز البر والإحسان إلى الكفار المسالمين أن ذلك سبب في تأليف القلوب, وتهيئتها لقبول الحق وإتباعه, لميل النفوس إلى حب من أحسن إليها والتقبل منه .

ج- وجوب التزام العدل معهم في الحكم والمعاملة , وأداء الأمانات إليهم , وتحريم ظلمهم وإيذائهم بغير حق , قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ )[النساء: 135] وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[المائدة: 8]  فالعدل واجب مع كل أحد على كل حال , فلا مداهنة لقريب , ولا جور على مبغض . وقال تعالى مخاطباً رسوله في شأن أهل الكتاب:( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[المائدة:42], فأذن له في الحكم بينهم, ورخص له في ترك ذلك والإعراض عنهم, ثم ألزمه إن حكم بينهم أن يحكم بالعدل. وقال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء:58] ففي الآية أمر بأداء الأمانات إلى أهلها أياً كان أهلها, وإلى الحكم بين الناس بالعدل أياً كانوا " قال ابن عباس في الآية: هي مبهمة للبر والفاجر(1) "

ومن صور العدل الدقيقة التي نبه عليها علماء الإسلام , ما قرره ابن القيم رحمه الله فيما يتعلق برد الإسلام على الذمي إذا سلم على المسلم بقوله : سلام عليكم , حيث ذكر أن مقتضى الأدلة وقواعد الشريعة أن يرد عليه نظير سلامه , وأن هذا مقتضى العدل الذي أمر الله به في قوله:( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ) [النساء:86], وذكر أن هذا لا ينافي شيئا من الأحاديث التي فيها الأمر بالاقتصار على قول الراد : وعليكم(2)" لأن هذا إنما شرع في مقابل قولهم : السام عليكم(3) .

وإذا كان هذا إقامة للعدل في هذا الأمر اليسير فقد كانت العناية بغيره من الأمور ذات الخطر والشأن أتم وأعظم .

وأما ظلمهم , فإن الإسلام يحرم الظلم بجميع صوره , ولا يقر شيئا منه بحال من الأحوال, قال تعالى:( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ )[الشورى:42] وقال تعالى: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)[الشعراء:227] وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته), ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[هود:102] "(4) .

وعن أبي ذر(5) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا(6) ) .

ومما جاء في شأنهم قوله عليه الصلاة والسلام: ( من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة , وأن ريحها ليوجد في مسيرة أربعين عاما) (7) وأوصى عمر رضي الله عنه الخليفة بعده بأهل الذمة فقال: " وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم, وأن يقاتل من ورائهم , ولا يكلفوا إلا طاقتهم(8) " .

فما داموا مستقيمين على عهدهم , مؤدين ما يجب عليهم فما للمؤمنين عليهم من سبيل , بل الواجب الكف عنهم , وكذلك حمايتهم من أن يظلموا أو يعتدى عليهم . قال الماوردي: "ويلتزم لهم ببذلها– أي الجزية– حقان: أحدهما الكف عنهم. والثاني: الحماية لهم, ليكونوا بالكف آمنين , وبالحماية محروسين(9) " .


(1) ابن كثير تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 515 .

(2) متفق عليه, أخرجه البخاري، في الدعوات، باب الدعاء على المشركين، رقم (6395)، وأخرجه مسلم، في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، رقم (2165).

(3) انظر : ابن القيم – أحكام أهل الذمة (1/199– 200)0

(4) متفق عليه, أخرجه البخاري، في تفسير القرآن، باب قوله:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود:102]، رقم(4686)، وأخرجه مسلم، في البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (2583).

(5) هو جندب بن جنادة, أبو ذر الغفاري , أسلم قديما ومناقبه كثيرة جدا , مات سنة 32 ه . أسد الغابة( 5/99) تقريب التهذيب 638 .

(6) رواه مسلم , في البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ، رقم (2577).

(7) رواه البخاري, في الديات، باب إثم من قتل ذميا بغير جرم، رقم (6914).

(8) رواه البخاري, في الجهاد والسير، باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون، رقم (3052).

(9)- الماوردي - الأحكام السلطانية ص 143 .