بحث عن بحث

 

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في علاقة السلم والحرب (5- 9)

 

 

الحكمة من الجهاد :

لقد شرع الله تعالى الجهاد لحكم ومصالح كثيرة , أخبر تعالى عن جملة منها في كتابه, واستنبط العلماء طائفة منها , فمن ذلك :

·أن الجهاد ابتلاء وتمحيص للمؤمنين, قال تعالى:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:142] . وقال تعالى: ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ  *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فَلَيَعْلَمَن اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَن الْكَاذِبِينَ )[العنكبوت:1– 3] وقال تعالى:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:214], فهو امتحان من الله يتبين به الصادق من الكاذب, كما يتمحص به الطيب من كل خلق رديء ومقصد سيء.

وبالجهاد يفتضح أمر المنافقين , وتنكشف حالهم , ويظهر للمؤمنين مكنون صدورهم , وحقيقة أمرهم , قال تعالى:( ما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)[آل عمران:179]. قال القرطبي: " أى وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف فتعرفوا المنافق الخبيث , والمؤمن الطيب (1)

·وفي الجهاد توجيه قلوب المؤمنين إلى ربهم لاستجلاب النصر منه بالعمل بطاعته وصدق الإلتجاء إليه, ذلك" أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العاجلة, وذلك مرض يعوقها عن جد سيرها إلى الله والدار الآخرة , فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه(2)" .

·وفي الجهاد إذلال للكافرين ومحق لهم, قال تعالى:( وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ )[آل عمران:140–141]. وإنما كتب الله عليهم ذلك لما هم عليه من تكذيب بآيات الله واستكبار عن عبادته, وصد عن سبيله , ومعاداة لأوليائه وتربص بهم وإيذاء لهم, قال تعالى:( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) [النساء:79] وقال تعالى:( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ  إِنِ اسْتَطَاعُوا)[البقرة:217] وقال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )[الأنفال:36] وقال تعالى:( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[البقرة:120].

·ومن حكم الجهاد أيضا أن الله يدفع به شر المشركين عن أهل الإيمان , كما قال الله تعالى:( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ) [البقرة:251]  , قال ابن عباس: لولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد. (3)  

والتأريخ شاهد على فظائع المشركين وكيدهم ومكرهم بالمؤمنين متى تمكنوا منهم(4) . بل إن مصير الأمر والسيادة لأهل الإلحاد سبب لمحو الإيمان وقطع دابر الأديان من الأرض, وإزالة كل مسجد أو معبد يتقرب به إلى الله تعالى , كما قال تعالى:( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً)[الحج: 40] .

ولذا شرع الجهاد ليدفع به العدو , ويذل به الشرك والكفر والفجور , ويحمى به أهل الإيمان, الذين في حفظهم وحمايتهم حفظ لشرع الله , فهم حملته والدعاة إليه , بهم يعرف الطريق وينشر الخير, ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر . وبغيابهم أو زوال الأمر من أيديهم شقاء البشرية وانتشار الظلم والبغي والفساد كما هو واقع المجتمعات البشرية اليوم .

   


(1)- القرطبي – الجامع لأحكام القرآن (3 / 289 )0

(2)- ابن القيم – زاد المعاد (3 / 221 )0

(3)- القرطبي – الجامع لأحكام القرآن (3 / 260 )0

(4) مخازي الصليبيين في بلاد الشام والأسبان في الأندلس والهندوس في الهند والشيوعيين في روسيا ويوغسلافيا وغيرها كثير ليست بخافية وانظر أمثلة لذلك . د . مصطفى السباعي – من روائع حضارتنا ص 103 , وما بعدها , المكتب الإسلامي ط 3 سنة 1402 ه .

و. د محمد نعيم ياسين – افتراءات حول غايات الجهاد ص 65 – 77 , دار الأرقم ط 2 سنة 1406 ه .