بحث عن بحث

 

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في علاقة السلم والحرب (7- 9)

 

 

ج – وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق , وتحريم الغدر والخيانة, قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ‏ )[المائدة: 1] أي العهود(1), وقال تعالى:( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا )[النحل:91].

وقال تعالى:(إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )[التوبة:4] . وأثنى سبحانه وتعالى على الموفين بالعهد فقال:( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ  الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)[الرعد:19–20] وذم الناكثين للعهد فقال: ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ  وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ  لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) [الرعد:25].وقال تعالى منفرا من الخيانة:( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) [النساء:107] وقال تعالى: ( وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ )[يوسف:52] وعد عليه الصلاة والسلام الغدر والخيانة من صفات المنافقين فقال : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا , ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان , وإذا حدث كذب , وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر(2)) . وكان عليه الصلاة والسلام ينهى أمراءه عن الغدر(3) , وقال :( إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان(4) ) .

ومن دلائل لزوم الوفاء بالعهود أنه حتى في حال الخوف من غدر العدو وخيانته فلابد من إعلامه بانتهاء ما بينه وبين المسلمين من عهد قبل الإقدام على قتاله كما قال تعالى:( وَإِمّا تَخَافَنّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىَ سَوَآءٍ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الخَائِنِينَ) [الأنفال:58].

وأيضا فإنه مع جواز التعريض والمخادعة للعدو , كما قال عليه الصلاة والسلام : (الحرب خدعة(5)) فإن هذا مقيد بما لا يشتمل على نقص عهد أو أمان, قال النووي : " اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل(6) " .

ومن ذلك أنه لا تعان الطائفة من المؤمنين إذا أرادت قتال بعض أعدائها وكان بينهم وبين سائر المؤمنين عهد وميثاق, قال تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا  وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)[الأنفال:72] قال ابن كثير:" يقول تعالى: وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم , لأنهم إخوانكم في الدين , إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفر بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم , وهذا مروى عن ابن عباس رضي الله عنه(7) " .

د  - ومن مظاهر العناية بالقيم الخلقية أن الإخلال بها من مسوفات القتال ومما يهيج ويحض عليه ويرغب فيه , كما قال تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )[الحج:39] فأذن الله تعالى للمؤمنين بالقتال وعلل ذلك بما حصل لهم من الظلم والإيذاء. وقال تعالى: ( أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانهمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُول وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّل مَرَّة )[التوبة:13] فحض على قتال الكفار لما هم عليه من نقض للعهود وإيذاء للرسول. وقال تعالى:( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ نَصِيراً  )[النساء:75] ففي الآية استنفار للمؤمنين وترغيب لهم بالقتال بتذكيرهم بحال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وما يلقونه من تسلط الظالمين عيهم , وضرورة السعي في خلاصهم ونجاتهم مما هم فيه بقتال المعتدين وردعهم عن غيهم وتسلطهم .


(1) - ابن كثير – تفسير القرآن العظيم (2 / 3 )0

(2) متفق عليه , وسبق تخريجه .

(3) رواه مسلم, في الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، رقم (1731).

(4)رواه مسلم, في الجهاد والسير ، باب تحريم الغدر، رقم (1735).

(5) متفق عليه, أخرجه البخاري، في الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، رقم (3029)، وأخرجه مسلم، في الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، رقم (1739). وخدعه: بفتح الخاء وبضمها مع سكون الدال فيهما , وبضم أوله وفتح ثانيه, قال النووي : اتفقوا على أن الأولى الأفصح . انظر : ابن حجر–  فتح الباري (6/ 158) النووي – شرح صحيح مسلم (4/338).

(6)- النووي – المرجع السابق (4 / 338 – 339 )0

(7)- ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ( 2 / 329 )0